الحصانات الوزارية تسقط أمام المحكمة المالية: ديوان المحاسبة يغرم وزيرا سابقا في إطار رقابته القضائية على الموظفين

أيلول 30, 2020

في سابقة هي الاولى من نوعها في تاريخ ديوان المحاسبة في لبنان، أصدر الديوان قرارا بحق وزير سابق ضمن إطار الرقابة القضائية على الموظفين. وفي التفاصيل، فرض الديوان غرامة مالية على السيد محمد الصفدي عن مخالفة ارتكبها في تلزيم مشروع إقامة جسور في منطقة البحصاص – طرابلس، خلال توليه وزارة الأشغال العامة والنقل. القرار، وان كانت الغرامة ضئيلة _ وقدرها مليون وخمسمائة ألف ليرة لبنانية بالإضافة إلى راتب ثلاثة أشهر بناءً على الراتب الذي كان يتقاضاه بتاريخ المخالفة_ يبقى مهماً كسابقة تفتح باب محاسبة الوزراء ماليًا وعدم التذرّع بالحصانة الدستورية التي تمنع محاكمة الوزير سوى أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

الوزير السابق اثاره في بيان دفاعه مسألة مخالفة ديوان المحاسبة للمادة 80 من الدستور وانتفاء صفته وإختصاصه لمساءلة الوزير عن أيّ عمل أجراه خلال تولّيه حقيبته الوزاريّة. ديوان المحاسبة علل بدوره في متن القرار الصادر في 24/09/2020، مسألة إختصاصه في النظر بالمخالفات الادارية والمالية للوزراء بالاتي:
- شمول رقابة الديوان أعمال الوزراء: ديوان المحاسبة محكمة إدارية مالية تشمل صلاحياتها محاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين المتعلقة بالأموال العمومية في كافة الإدارات العامة. وفي هذا الاطار، تشمل الرقابة على الموظفين الوزير كونه المرجع الصالح لعقد النفقة والتصديق على الصفقات العمومية. كذلك تشمل رقابة الديوان كافة الأشخاص الذين يقومون بإدارة أو استعمال الأموال العمومية أو التدخل في إدارتها حتى ولو كانوا من غير الموظفين، ما يعني شمول الوزير، من باب أولى.
- ملاحقة الوزير أمام الديوان: تنص أحكام المادة 111 من قانون المحاسبة العمومية معطوفة على المادة 60 من قانون تنظيم الديوان على إمكانية ملاحقة الوزير أمام ديوان المحاسبة. كذلك هناك إمكانية لملاحقة الوزير أمام ديوان المحاسبة عندما يحل محل الموظف التابع له مباشرة في تحمل المسؤولية، ويأتي في هذا الاطار موجب إعلام المدعي العام لدى الديوان عن مخالفة المادتين 111 و112 من قانون المحاسبة العمومية برهان على ضرورة ملاحقة المسؤولين عن المخالفة، وعلى رأسهم الوزير، أمام ديوان المحاسبة.
- الفصل بين عمل ديوان المحاسبة وسائر المحاكم: الفصل ما بين العقوبات المالية التي يعود للديوان فرضها والعقوبات الأخرى من إلزامات مدنية وعقوبات جزائية ومسلكية التي يعود للجهات والمحاكم الأخرى المعنية فرضها برهان على إستقلالية الديوان في إتخاذ الإجراءات التي تدخل ضمن صلاحياته.
- عدم تمثيل القضاء الاداري في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء: صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء محصورة بالملاحقة الجزائية نظراً لعدم تمثيل القضاة الإداريّين والماليّين فيه، بالاضافة إلى أن إستشارة مجلس شورى الدولة رقم 21/2009 تثبت عدم تمثيل القضاة الإداريين في المجلس الأعلى على الرغم من توصية مجلس شورى الدولة بذلك. من هنا، رأى قرار الديوان بأن الفصل ما بين عمل ديوان المحاسبة وصلاحياته وعمل المجلس الأعلى وصلاحياته مقصود من قبل المشترع، على أن يعتبر إعلام مجلس النواب بالمخالفات المرتكبة من قبل الوزراء إجراء إضافي يكمّل عمل الديوان.

أما المخالفة فتتعلّق بتلزيم مشروع إقامة جسور في منطقة البحصاص – طرابلس، بناءً على خرائط أولية وقبل استكمال الدراسة العائدة له. وقد بنى الديوان قراره على الأفعال الآتية:
- قيامه بإحالة ملف تلزيم الأشغال إلى إدارة المناقصات بناءً على مستندات الدراسة التي كانت قد سلمت إليه مباشرة من قبل الإستشاري شركة يونيتيك قبل أن تكون الدراسة قد إستلمت بعد بشكل مؤقت ونهائي من قبل لجنة الإستلام المعنية.
- عدم إحالة مستندات الدراسة المسلمة مباشرة إليه من قبل الإستشاري شركة يونيتيك إلى دائرة الدراسات الفنية، حسب العائدية ووفق التسلسل الإداري، بغية الوقوف على رأي الدائرة المذكورة.
- إستعجال الإدارة في إستكمال الدراسة وملف تلزيم الأشغال وإصراره على قيام الموظفين بإنجاز كافة المراحل المطلوبة وتوقيع الإحالات والمستندات اللازمة لذلك في مكتبه وفي يوم واحد في بعض الحالات، دون أن يمنحوا أو أن يتسنّى لهم الوقت الكافي والمعقول لدراسة المعاملات بشكل وافٍ.

تأسيساً على كلّ ما تقدّم، يُستخلص أنّ الوزراء مسؤولون أمام ديوان المحاسبة وأنّ الديوان يتمتّع بالصلاحية والإختصاص لمحاسبة ومساءلة أيّ وزير عن الأخطاء والمخالفات الماليّة الّتي يرتكبها، ضمن الحدود المنصوص عنها في القوانين ذات الصلة، لا سيّما قانون تنظيم الديوان. ويكون ديوان المحاسبة قد افتتح بذلك مرحلة جديدة من محاسبة المسؤولين الكبار عن هدر المال العام.

في ما يلي نص القرار كاملاً:

 

الجمهوريّة اللّبنانيّة
رئاسة مجلس الوزارء
ديوان المحاسبة

 

قـرار

ديوان المحاسبة في الرقابة القضائية على الموظفين

-:-

رقم القرار : 318/ر.ق/نهائي
تاريخـه : 24/9/2020
رقم الأساس : 52/2010 مؤخرة (موظفين)

 

الموضوع: المخالفة الحاصلة نتيجة تلزيم مشروع إقامة جسور في منطقة البحصاص - طرابلس.

x x x

الهيئـة:
الرئيـــــــــس : عبد الرضى ناصر
والمستشاران : جوزيف الكسرواني و نجوى الخوري
x x x
باسم الشعب اللبناني
إنّ ديوان المحاسبة (الغرفة الثانية)

x x x

بعد الإطلاع على مستندات القضية وعلى تقرير الرئيس المقرر تاريخ 17/9/2020، وعلى مطالعة النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة الصادرة تحت الرقم 99 تاريخ 24/9/2020 تبيّن:

أنّه بتاريخ 9/4/2020 أصدر ديوان المحاسبة القرار رقم 239/ر.ق./ نهائي ومؤقت في إطار الرقابة القضائية على الموظفين وطلب فيه إلى كلّ من وزير الأشغال العامة والنقل، السيد محمد الصفدي، والمهندسين جوزف بو سمرا وحسن خوندي وعماد الحاج شحادة بيان دفاعه عن المخالفة المنسوبة إليه في متنه خلال مهلة ستين يوماً من تاريخ تبليغه، وأنّ القرار قد أبلغ من السيد الصفدي وجميع المهندسين المذكورين أعلاه وأودع كلّ منهم دفاعه ضمن المهل القانونية.

بنـــــاءً عليــــه

 

أولاً - في الشكل:

بما أنّ دفاع كل من الوزير السابق للأشغال العامة والنقل، السيد محمد الصفدي، والمهندسين جوزف بو سمرا وحسن خوندي وعماد الحاج شحادة أودع الديوان ضمن مهلة الستين يوماً، فهي مقبولة شكلاً.

ثانياً - في الأساس:

أ‌- في ما يتعلّق بوزير الأشغال العامّة والنقل السيّد محمّد الصفدي:

بما أنّ القرار المؤقت نسب إلى السيد محمد الصفدي الأفعال التالية:

- قيامه بإحالة ملف تلزيم الأشغال إلى إدارة المناقصات بناءً على مستندات الدراسة التي كانت قد سلمت إليه مباشرة من قبل الإستشاري شركة يونيتيك قبل أن تكون الدراسة قد إستلمت بعد بشكل مؤقت ونهائي من قبل لجنة الإستلام المعنية.

- عدم إحالة مستندات الدراسة المسلمة مباشرة إليه من قبل الإستشاري شركة يونيتيك إلى دائرة الدراسات الفنية، حسب العائدية ووفق التسلسل الإداري، بغية الوقوف على رأي الدائرة المذكورة.

- إستعجال الإدارة في إستكمال الدراسة وملف تلزيم الأشغال وإصراره على قيام الموظفين بإنجاز كافة المراحل المطلوبة وتوقيع الإحالات والمستندات اللازمة لذلك في مكتبه وفي يوم واحد في بعض الحالات، دون أن يمنحوا أو أن يتسنّى لهم الوقت الكافي والمعقول لدراسة المعاملات بشكل وافٍ،

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي قد أثار في دفاعه مسألة إختصاص الديوان ومخالفة المادّة 80 من الدستور وادّعى بانتفاء الصفة والإختصاص لديوان المحاسبة "وبعدم جواز الحق ولا الصفة لديوان المحاسبة مساءلة المستدعي عن أيّ عمل أجراه خلال تولّيه حقيبته الوزاريّة..."،

وبما أنّ ديوان المحاسبة هو المرجع الصالح لمحاكمة الوزراء عن المخالفات المالية المتعلقة بإدارة أو إستعمال الأموال العمومية المشار إليها في قانون تنظيم ديوان المحاسبة وفي قانون المحاسبة العمومية وذلك إنطلاقاً من النقاط التالية:


1- بالنسبة لصلاحية واختصاص ديوان المحاسبة في مساءلة الوزراء:

*- ديوان المحاسبة محكمة إدارية مالية تشمل صلاحياتها محاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين المتعلقة بالأموال العمومية في كافة الإدارات العامة:

بما أنّ المادّة الأولى من قانون تنظيم ديوان المحاسبة (المرسوم الإشتراعي رقم 82/83) قد نصّت على أنّ:
" ديوان المحاسبة محكمة إداريّة تتولّى القضاء المالي، مهمّتها السهر على الأموال العموميّة والأموال المودعة في الخزينة وذلك:

- بمراقبة إستعمال هذه الأموال ومدى انطباق هذا الإستعمال على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
- بالفصل في صحة وقانونية معاملاتها وحساباتها.
- بمحاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين والأنظمة المتعلّقة بها"،

ما يعني أنّ ديوان المحاسبة هو المرجع الصالح لمراقبة حسن تطبيق القوانين والأنظمة المتعلّقة باستعمال الأموال العموميّة، وبمحاكمة المسؤولين، دون إستثناء، عن مخالفة هذه القوانين والأنظمة،

وبما أنّ المادّة الثانية من قانون تنظيم الديوان قد نصّت على ما يلي:

" تخضع لرقابة ديوان المحاسبة :
1- إدارات الدولة ...،

ما يعني أنّ رقابة الديوان تشمل كافة الوزارات وكافة المسؤولين في هذه الوزارات،


* - شمول الرقابة على الموظفين الوزير كونه المرجع الصالح لعقد النفقة والتصديق على الصفقات العمومية:

وبما أنّ الفقرة الأولى من المادّة 59 من قانون تنظيم الديوان قد حدّد نصّها الموظّفين الخاضعين للرقابة على الشكل التالي:

"تشمل الرقابة على الموظّفين أعمال كل من يقوم بإدارة أو إستعمال الأموال العموميّة والأموال المودعة في الخزينة وكل من يقوم بعمليّات القبض والدفع لحساب الخزينة أو لصالحها أو بمسك حساباتها وكذلك أعمال كل مَن يتدخّل في إدارة الأموال المذكورة وفي القيام بالعمليّات السالفة الذكر دون أن تكون له الصفة القانونيّة أو يساهم في الأعمال التحضيريّة لها أو مراقبتها أو بالتصديق عليها.

وبما أنّ نصّ الفقرة الأولى من المادّة 59 السالفة الذكر قد أتى مطلقاً بحيث شملت رقابة الديوان "كل من يقوم بإدارة أو استعمال الأموال العموميّة..."، دون استثناء أحد، بمَن في ذلك الوزير.


وبما أنّ الوزير هو المسؤول الأوّل عن إدارة واستعمال الأموال العموميّة في وزارته إذ نصّت المادّة 56 من قانون المحاسبة العموميّة على أنّ الوزير هو المرجع الصالح لعقد النفقة، ما لم ينصّ القانون على خلاف ذلك.

 

 


وبما أنّ رقابة الديوان شملت أيضاً أعمال كل مَن يتدخّل في إدارة الأموال... دون أن تكون له الصفة القانونيّة أو يساهم في الأعمال التحضيريّة لها أو مراقبتها أو بالتصديق عليها.

وبما أنّ الوزير هو المعني الأوّل بالتصديق على الصفقات العموميّة عملاً بصراحة المادة 133 من قانون المحاسبة العمومية التي نصت على ما يلي:

"1 - يبت الصفقة:

- المدير المختص او رئيس المصلحة، في حال عدم وجود مدير، اذا كانت قيمتها لا تتجاوز 10.000.000 ل.ل.

- المدير العام، اذا كانت قيمتها تزيد على 10.000.000 ل.ل.، ولا تتجاوز 35.000.000 ل.ل.

- الوزير في الحالات الاخرى."
..."،

*- شمول رقابة الديوان كافة الأشخاص الذين يقومون بإدارة أو استعمال الأموال العمومية أو التدخل في إدارتها حتى ولو كانوا من غير الموظفين، ما يعني شمول الوزير، من باب أولى:

وبما أنّ الفقرة الثانية من من المادة 59 من قانون تنظيم الديوان قد نصت على ما يلي:

يعتبر بحكم الموظّف في تطبيق أحكام هذه الرقابة كل شخص من غير الموظّفين عهد إليه تولّي المهام المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادّة سواء أكان ذلك بالتعيين أو بالإنتخاب أو بالتعاقد بما في ذلك أعضاء الهيئات التقريريّة بمناسبة تولّيهم المهام المذكورة وكل شخص من غير الموظّفين تولى هذه المهام أو تدخّل أو ساهم فيها دون صفة قانونيّة ."

وبما أنّ الفقرة الثانية من المادّة 59 من قانون تنظيم الديوان قد عرّفت مفهوم الموظّف لغايات تطبيق رقابة الديوان ووسّعت هذا المفهوم بحيث اعتبرت بحكم الموظّف " كل شخص من غير الموظّفين عهد إليه تولّي المهام المنصوص عليها... سواء أكان ذلك بالتعيين أو بالإنتخاب أو بالتعاقد بما في ذلك أعضاء الهيئات التقريريّة... وكل شخص من غير الموظّفين تولّى هذه المهام أو تدخّل فيها أو ساهم فيها دون صفة قانونيّة ".

ما يظهر نية المشترع الواضحة بتوسيع رقابة الديوان إلى حدها الأقصى، دون أي إستثناء، وبشمول هذه الرقابة كافة الحالات بما فيها حالات الأشخاص من غير الموظّفين الّذين لا تكون لهم صفة قانونيّة.

وبما أنّ توسيع رقابة الديوان على هذا النحو لتشمل حالات الأشخاص الذين يقومون بإدارة أو إستعمال الأموال العمومية أو التدخل في إدارتها، حتى ولو كانوا من غير الموظفين، يدلّ على أنّه من باب أولى، يجب إعتبار الوزير مشمولاً برقابة الديوان.

* - إمكانية ملاحقة الوزير أمام ديوان المحاسبة سنداً لأحكام المادة 111 من قانون المحاسبة العمومية معطوفة على المادة 60 من قانون تنظيم الديوان:

وبما أنّ المادّة 56 من قانون المحاسبة العموميّة، كما أسلفنا سابقاً، قد حددت المرجع الصالح في عقد النفقة حيث نصّت على ما يلي:

" يعقد النفقة الوزير المختص ما لم ينص القانون على خلاف ذلك."،

وبما أنّ المادّة 61 من قانون المحاسبة العموميّة نصّت على ما يلي:

" كل معاملة تؤول إلى عقد نفقة يجب ان تقترن، قبل توقيعها ، بتأشير مراقب عقد النفقات. غير انه يجوز في الحالات المستعجلة الطارئة، ان يشرع المرجع الصالح في عقد النفقة ضمن نطاق الاعتمادات المرصدة لها قبل الحصول على تأشير مراقب عقد النفقات شرط ان يعرض عليه المعاملة للتسوية بمهلة اسبوع على الاكثر من تاريخ العقد مع بيان الاسباب التي بررت اقدامه على هذا التدبير ويبقى عاقد النفقة مسؤولاً عنها حتى تسوية عقدها بصورة قانونية..."،

وبما أنّ نصّ المادّة 111 من قانون المحاسبة العموميّة جاء مكملاً لنصّ المادّة 61 من القانون نفسه، إذ ورد فيه ما يلي:

" إذا عقدت نفقة وِفقاً لأحكام القانون قبل الحصول على تأشير مراقب عقد النفقات، وكان يقابلها إعتماد، صرفت على سبيل التسوية، على أن يلاحق المسؤولون أمام ديوان المحاسبة."

وبما أنّ المادّة 61 من قانون المحاسبة العموميّة نصّت على إمكانيّة عقد النفقة من قِبَل "المرجع الصالح"، ألا وهو الوزير في معظم الحالات، في الحالات المستعجلة الطارئة قبل الحصول على تأشير مراقب عقد النفقات شرط أن تعرض المعاملة على مراقب عقد النفقة للتسوية في مهلة أسبوع وعلى أن "يبقى عاقد النفقة مسؤولاً عنها حتّى تسوية عقدها بصورة قانونيّة ".

وبما أنّ الوزير هو عاقد النفقة في الإدارات العامّة إلاّ في حالات إستثنائيّة قليلة إذ نصّت المادّة 133 من قانون المحاسبة العموميّة على ما يلي:

"1 - يبت الصفقة:

- المدير المختص او رئيس المصلحة، في حال عدم وجود مدير، اذا كانت قيمتها لا تتجاوز 10.000.000 ل.ل.

- المدير العام، اذا كانت قيمتها تزيد على 10.000.000 ل.ل.، ولا تتجاوز 35.000.000 ل.ل.

- الوزير في الحالات الاخرى."
..."،

ما يثبت ويؤكد مسؤولية الوزير ودوره في بت الصفقة وعقد النفقة المتعلقة بها،

وبما أن المادة 60 من قانون تنظيم الديوان أدرجت في سلّم المخالفات التي يعاقب عليها القانون مخالفتي "عقد نفقة خلافاً لأحكام القانون أو النظام " و" عقد نفقة دون الحصول على تأشير مراقب عقد النفقات " دون أن تورد اي إستثناء أو إعفاء لأحد من المسؤولية تحت أي ظرف من الظروف،

وبما أن المسؤولية ترتبط مباشرة بالصلاحية، يكون الوزير هو المسؤول عن عقد النفقة وتقتضي ملاحقته أمام ديوان المحاسبة في حال مخالفة القانون، والقول بغير ذلك يؤدي إلى تعطيل أحكام المادة 60 من قانون تنظيم الديوان.

* - إمكانية ملاحقة الوزير أمام ديوان المحاسبة سنداً لأحكام المادة 112 من قانون المحاسبة العمومية التي تنص صراحة على مسؤولية شخصية للوزير على أمواله الخاصة:

وبما أنّ المادّة 112 من قانون المحاسبة العموميّة نصّت على أنّ "الوزير مسؤول شخصياً على أمواله الخاصّة عن كل نفقة يعقدها متجاوزاً الإعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بهذا التجاوز..." كما نصّت على أنّه "لا تحول هذه المسؤوليّة دون ملاحقة الموظّفين الّذين تدخّلوا بعقد النفقة، وتصفيتها، وصرفها، أمام ديوان المحاسبة، ما لم يبرزوا أمراً خطياً من شأنه إعفاؤهم من المسؤوليّة."

وبما أنّ المسؤوليّة المترتبة بموجب المادتين 111 و112 من قانون المحاسبة العموميّة تفضي حكماً إلى إمكانيّة ملاحقة ومحاسبة الوزير أمام المحكمة الإداريّة الماليّة المختصّة، ألا وهي ديوان المحاسبة، لا سيما بالنظر إلى وحدة وتلازم القضية، إذ من غير المنطقي أن تتم ملاحقة الموظفين الذين تدخلوا بعقد النفقة من قبل ديوان المحاسبة وعدم ملاحقة الوزير، المسؤول الأول في الوزارة، بالنسبة للمخالفة عينها،

وبما أنه، في هذا السياق، يعود لديوان المحاسبة بالتنسيق مع المراجع المختصة، إستصدار سندات التحصيل بحق الوزراء الذين يرتكبون المخالفة المنصوص عنها في المادة 112 والمتعلقة بعقد نفقة تتجاوز الإعتمادات المفتوحة لوزاراتهم مع علمهم بهذا التجاوز،

*- إمكانية ملاحقة الوزير أمام ديوان المحاسبة عندما يحل محل الموظف التابع له مباشرة في تحمل المسؤولية:

وبما أنّ نصّ المادّة 62 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة جاء أيضاً يلقي الضوء على مضمون ومفاعيل الجملة الأخيرة من المادّة 112 من قانون المحاسبة العموميّة الّتي ورد فيها ما يلي:

" يُعفى الموظّف من العقوبة إذا تمّ الرجوع عن العمل المؤدّي إلى المخالفة قبل وضعه في التنفيذ أو إذا تبيّن من التحقيق أنّ المخالفة ارتكبت تنفيذاً لأمر خطّي تلقّاه من رئيسه المباشر، شرط أن يكون قد لفت نظر هذا الرئيس خطياً إلى المخالفة الّتي قد تنتج عن تنفيذ أمره، وفي هذه الحال يحلّ الرئيس محل الموظّف في المسؤوليّة ويعاقب ضمن الحدود المبيّنة في المادّتين 60 و61 من هذا المرسوم الإشتراعي.

ولا يُعفى من العقوبة الموظّف التابع مباشرة للوزير إلاّ إذا أبلغ الديوان مباشرة والمدّعي العام لدى الديوان خلال أسبوع على الأكثر المطالعة الخطّيّة الّتي قدّمها للوزير قبل تنفيذ الأمر والّتي لفت نظره فيها إلى المخالفة الّتي قد تنتج عن هذا الأمر. "

وبما أنّه يظهر أيضاً من المادّة 62 الآنفة الذكر أنّ الوزير يمكن أن يُلاحَق أمام الديوان عندما يحلّ محلّ الموظّف التابع له مباشرة في تحمّل المسؤوليّة ونيل العقاب، ضمن الحدود المبيّنة في المادّتين 60 و61 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، في حال توفّر الشروط المنصوص عنها في الفقرة الأخيرة من البند الثاني من المادّة 62 المشار إليها أعلاه.

*- موجب إعلام المدعي العام لدى الديوان عن مخالفة المادتين 111 و112 من قانون المحاسبة العمومية برهان على ضرورة ملاحقة المسؤولين عن المخالفة، وعلى رأسهم الوزير، أمام ديوان المحاسبة:

وبما أنّ المادّة 113 من قانون المحاسبة العموميّة نصّت على ما يلي:

"على مراقب عقد النفقات، وعلى غيره من المراجع عند الإقتضاء، كل فيما خصّه، أن يعلم المدعي العام لدى ديوان المحاسبة بالمخالفات المبيّنة في المادّتين السابقتين.

وجاءت بالتالي تؤكّد نية المشترع بضرورة ملاحقة المسؤولين عن مخالفة أحكام المادّتين 111 و112 من القانون عينه، وعلى رأسهم الوزير، أمام ديوان المحاسبة إذ يعتبر إبلاغ المدّعي العام لدى الديوان إجراء تمهيدياً للإدّعاء على المسؤولين المقصرين والمخالفين لأحكام القانون أمام الديوان، وليس مجرّد إجراء إداري عادي.

*- الفصل ما بين العقوبات المالية التي يعود للديوان فرضها والعقوبات الأخرى من إلزامات مدنية وعقوبات جزائية ومسلكية التي يعود للجهات والمحاكم الأخرى المعنية فرضها برهان على إستقلالية الديوان في إتخاذ الإجراءات التي تدخل ضمن صلاحياته:

وبما أنّ المادّة 60 من قانون تنظيم الديوان نصّت في الفقرة الأولى منها على ما يلي:

" يعاقب بالغرامة من /150/ألف ليرة إلى مليون وخمسماية ألف ليرة كل موظّف ارتكب أو ساهم في ارتكاب إحدى المخالفات الواردة في هذه المادّة، وذلك بالإضافة إلى الإلزامات المدنيّة والعقوبات الجزائيّة والمسلكيّة الّتي يمكن أن تقضي بها المراجع المختصّة."

وبما أنّ المادّة 60 من قانون تنظيم الديوان قسّمت الإجراءات العقابيّة الّتي يمكن اتّخاذها بحق الموظّف المخالف ما بين غرامة ماليّة يعود للديوان فرضها وإلزامات مدنيّة وعقوبات جزائيّة ومسلكيّة يمكن أن تقضي بها المراجع المختصّة، أي الجهات والمحاكم الأخرى المعنيّة، كلّ فيما خصّه،

وبما أنً تقسيم الإجراءات العقابية على هذا النحو والفصل ما بين العقوبات المالية التي يعود للديوان فرضها والعقوبات الأخرى التي تقضي بها المراجع المختصة الأخرى هو دلالة إضافية على إستقلالية الديوان في إتخاذ الإجراءات والتدابير التي يراها مناسبة بحق المخالفين والتي توليه إياها النصوص القانونية ذات الصلة، وذلك بمعزل عن إية عقوبات جزائية أو مسلكية أخرى يمكن أن تفرضها المحاكم أو الجهات الأخرى المختصة،

* - صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء محصورة بالملاحقة الجزائية نظراً لعدم تمثيل القضاة الإداريّين والماليّين فيه:

وبما أنّ المادّة 80 من الدستور المعدل سنة 1989 نصّت على ما يلي:

" يتألف المجلس الأعلى ومهمته محاكمة الرؤساء والوزراء، من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة حسب درجات التسلسل القضائي او باعتبار القدمية اذا تساوت درجاتهم ويجتمعون تحت رئاسة أرفع هؤلاء القضاة رتبة وتصدر قرارات التجريم من المجلس الأعلى بغالبية عشرة أصوات. وتحدد أصول المحاكمات لديه بموجب قانون خاص."

وبما أنّ المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، المنصوص عنه في المادّة 80 من الدستور الحالي نصّ عنه الدستور الأوّل الصادر بتاريخ 23/5/1926،

وبما أنّ قانون المحاسبة العموميّة صدر في 30/12/1963 فيما صدر قانون تنظيم الديوان في 16/9/1983 أي أنّ القانونين المذكورين صدرا في تواريخ لاحقة لتاريخ الدستور الأساسي الّذي نصّ على إنشاء المجلس الأعلى ويستتبع ذلك أخذ المشترع أحكام الدستور بعين الإعتبار عند إقرار القانونَين المذكورَين،

وبما أنّ المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يختصّ بملاحقة الرؤساء والوزراء جزائياً عند ارتكابهم الخيانة العظمى أو إخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم، ولا تدخل، بالتالي، ضمن صلاحياته الملاحقة الإداريّة الماليّة الناجمة عن المخالفات الّتي ينظر فيها ديوان المحاسبة، ضمن اختصاص الديوان، بصفة هذا الأخير محكمة إداريّة تتولّى القضاء المالي،

وبما أنّ ما يعزّز هذا التوجّه ما نصّت عنه المادّة الثانية من القانون رقم 13/1990 (أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى المنصوص عنه في المادّة 80 من الدستور) والّتي جاء فيها ما يلي:

"تسمي محكمة التمييز بجميع غرفها، بعد نشر هذا القانون، القضاة العدليين الثمانية، المنصوص عنهم في المادّة 80 من الدستور، الأعلى رتبة حسب درجات التسلسل القضائي بمَن فيهم الرئيس.

وتسمي ثلاثة قضاة عدليين أعضاء إحتياطيين وِفقاً للأصول والشروط ذاتها..."،

إذ نصّت هذه المادّة صراحة على عضويّة القضاة العدليّين، حصراً، في المجلس الأعلى، دون غيرهم من القضاة الإداريّين المنتسبين إلى مجلس شورى الدولة أو الماليّين المنتسبين إلى ديوان المحاسبة،

*- إستشارة مجلس شورى الدولة رقم 21/2009 تثبت عدم تمثيل القضاة الإداريين في المجلس الأعلى على الرغم من توصية مجلس شورى الدولة بذلك:

وبما أنّ مجلس شورى الدولة، بموجب الإستشارة رقم 21/2009 تاريخ 12/1/2009 المتعلّقة باقتراح قانون يتعلّق بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، قد ذكّر بأنّ المادّة 80 من الدستور لم تحصر إختيار القضاة الأعضاء في المجلس الأعلى بالقضاة العدليّين بل "تحدّثت عن أعلى القضاة اللّبنانيّين رتبة"،

وبما أن مجلس شورى الدولة قد فضّل، في الإستشارة المنوّه عنها أعلاه، إيلاء صلاحية تعيين القضاة الثمانية الأعضاء في المجلس الأعلى إلى مجلس القضاء الأعلى، بالنسبة للقضاة العدليّين، وإلى مكتب مجلس شورى الدولة، بالنسبة للقضاة الإداريّين، هذا في حال البقاء تحت حكم المادّة 80 من الدستور الّتي لم تحصر الخيار بالقضاة العدليّين.

وبما أنّه لم يؤخذ باستشارة مجلس شورى الدولة إذ بقي نصّ المادّة الثانية من القانون 13/1990 على حاله أي بصيغة تحصر إختيار القضاة الأعضاء في المجلس الأعلى بالقضاة العدليّين.

وبما أنّ ما جاء في إستشارة مجلس شورى الدولة رقم 21/2009 يثبت أنّ القضاة الإداريّين غير ممثّلين في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وِفق أحكام القانون 13/1990.

*- الفصل ما بين عمل ديوان المحاسبة وصلاحياته وعمل المجلس الأعلى وصلاحياته مقصود من قبل المشترع:

وبما أنّ غياب تمثيل القضاة الإداريّين المنتسبين إلى مجلس شورى الدولة وغياب القضاة الماليّين المنتسبين إلى ديوان المحاسبة في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يظهر جليّاً نيّة المشترع بفصل عمل القضاء الإداري، لا سيّما عمل ديوان المحاسبة وصلاحياته والأحكام القانونيّة المتعلّقة به، عن عمل المجلس الأعلى وصلاحياته.

وبما أنّه لو لم تكن نيّة المشترع كذلك، لكان عدّل أحكام قانونَي المحاسبة العموميّة وتنظيم ديوان المحاسبة عند إقراره القانون 13/1990، نظراً لصدور هذا الأخير في تاريخ لاحق للقانونَين المذكورَين.

*- إعلام مجلس النواب بالمخالفات المرتكبة من قبل الوزراء إجراء إضافي يكمّل عمل الديوان:

وبما أنّ المادة 64 من قانون تنظيم الديوان، الّتي جاء فيها ما يلي:

"على الديوان أن يحيط مجلس النوّاب علماً بالمخالفات المرتكبة من قِبَل الوزراء."

أتت مكمّلة لتوجّه المشترع بفصل عمل الديوان عن عمل المجلس الأعلى بحيث يقوم الديوان، وبعد ملاحقة الوزراء المخالفين، عند الإقتضاء، بإعلام مجلس النوّاب بالمخالفات المرتكبة من قِبَل الوزراء، كتدبير إضافي، تمهيداً لمساءلتهم سياسياً (لناحية إستجوابهم أو سحب الثقة منهم مثلاً) وجزائياً، أمام المجلس الأعلى، إذا لزم الأمر، وِفق ما يراه مجلس النواب مناسباً .

*- الخلاصة:

وبما أنّه، تأسيساً على كلّ ما تقدّم، يُستخلص أنّ الوزراء مسؤولون أمام ديوان المحاسبة وأنّ الديوان يتمتّع بالصلاحية والإختصاص لمحاسبة ومساءلة أيّ وزير عن الأخطاء والمخالفات الماليّة الّتي
يرتكبها، ضمن الحدود المنصوص عنها في القوانين ذات الصلة، لا سيّما قانون تنظيم الديوان.

وبما أنّ القول بغير ذلك لا يمكن الإعتداد به لأنّه يؤول إلى تعطيل أحكام قانونَي المحاسبة العموميّة وتنظيم ديوان المحاسبة،

2- بالنسبة لأساس الدفاع المدلى به:

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي أدلى في دفاعه بأنّه ما زال "يذكر بالتمام، عندما زاره بمكتبه ممثّل شركة يونيتيك، وأبلغه بوجود بنى تحتيّة ستزيد وترفع بشكل لافت من كلفة المشروع، عمد عندها فوراً إلى تجميد المشروع ووقف تلزيمه في حينه "،

وبما أنّ جلسة تلزيم المشروع عقدت، فعلاً، على مرحلتين، بتاريخ 13/8/2007 و16/8/2007 في إدارة المناقصات وأُرسِي الإلتزام حينها، بشكل مؤقّت، على المتعهّد شركة الشرق للمعدّات ش.م.م..

وبما أنّ الشركة الملتزمة تبلّغت تصديق الإلتزام بتاريخ 7/3/2007 وتبلّغت أمر المباشرة بالعمل بتاريخ 26/6/2008 أي خلال فترة تولّي السيّد محمّد الصفدي حقيبة وزارة الأشغال العامّة والنقل، الّتي خلفه في تولّيها السيّد غازي العريضي في 11/7/2008.

وبما أنّ الإلتزام تمّ فسخه بعد حوالي السنة، بتاريخ 2/7/2009 من قِبَل السيّد غازي العريضي، بموجب القرار 850/1 وبناء للطلب المقدّم من الشركة الملتزمة، نظراً لصعوبة التنفيذ وضرورة تعديل مسارات البنى التحتيّة بكلفة عالية.

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي أدلى أيضاً في دفاعه بأنّ بعد تركه للوزارة وحلول وزير آخر بعده، "علم من الوسائل الإعلاميّة بوضع حجر الأساس لهذا المشروع في الموقع الّذي كان سيجري به التنفيذ، وحتّى اليوم بقي هذا المشروع دون تنفيذ".

وبما أنّ الوقائع تدلّ على أنّ السيّد غازي العريضي قام "بتكسير بلاطة تدشين الجسور الّتي تحمل إسم الوزير الصفدي..." كما جاء في الكتاب المرسَل إلى ديوان المحاسبة من قِبَل المهندس غازي فرّان، رئيس مصلحة الدروس في حينه، والمسجّل لدى الديوان تحت الرقم 2210 تاريخ 10/6/2015.

وبما أنّه يتّضح ممّا سبق أنّ دفاع السيّد الصفدي يتعارض مع الوقائع، إذ إنّه لم يعمد إلى تجميد المشروع ووقف تنفيذه بل تابع السير به وقام بتصديق الإلتزام كما وضع حجر الأساس للمشروع، ما يضعف إلى حدٍّ بعيد الدفاع المدلى به من قِبَل السيّد الصفدي ويفقد هذا الدفاع مصداقيّته، ويستدعي، بالتالي، ردّه.

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي قام بإرسال ملف الدراسة الأوّليّة، المسلّمة إلى مكتبه مباشرة من قِبَل الإستشاري يونيتيك، إلى إدارة المناقصات بموجب الكتاب رقم 99/ص تاريخ 6/2/2007 قبل أن تكون الدراسة قد أُنجِزَت بشكل كامل وقبل أن تكون، بالتالي، معدّة للتلزيم، ما يعتبر خطأً كبيراً من شأنه إيقاع ضرر مادّي بالأموال العموميّة في حال تمّ التلزيم وباشر الملتزم العمل بموجب دراسة أوّليّة غير مكتملة وتبيّنت فيما بعد الحاجة لتعديل بنود وكميّات وكلفة الإلتزام.

وبما أنّ هذا الخطأ يشكّل مخالفة " إرتكاب خطأ أو تقصير أو إهمال من شأنه إلحاق ضرر مادّي بالأموال العموميّة أو الأموال المودعة في الخزينة" المنصوص عنها في الفقرة 8 من المادّة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، كما يشكّل مخالفة للنصوص "المتعلّقة بإدارة أو استعمال الأموال العموميّة أو الأموال المودعة في الخزينة" وهي مخالفة نصّت عنها الفقرة 10 من المادّة 60 من قانون تنظيم الديوان.

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي قام بإرسال ملف الدراسة الأوّليّة لإجراء التلزيم على أساسها دون إحالة مستندات الدراسة إلى دائرة الدراسات الفنيّة، بالتسلسل الإداري، وحسب الإختصاص والعائديّة، لتبدي هذه الدائرة رأيها الفنّي بالدراسة كونها المسؤولة المباشرة عن مراقبة عمل الإستشاري، ما يشكّل المخالفة المنصوص عنها في الفقرتين 8 و10 من قانون تنظيم الديوان.

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي قام بإرسال ملف التلزيم مرّة ثانية إلى إدارة المناقصات بتاريخ 1/6/2007 بعد أن أبدت الإدارة المذكورة ملاحظات بشأن الملفّ الأوّل وبعد أن كان الإستشاري قد قدّم إلى الإدارة رسمياً بتاريخ 30/4/2007 كامل الدراسة،

وبما أنّ الدراسة المرسَلَة إلى إدارة المناقصات في المرّة الثانية، والّتي تمّ فعلاً إجراء التلزيم على أساسها، لم تكن قد استُلِمَت بعد مؤقتاً ونهائياً من قِبَل الإدارة، ما يشكّل المخالفة المنصوص عنها في الفقرتين 8 و10 من المادّة 60 من قانون تنظيم الديوان.

وبما أنّ السيّد محمّد الصفدي، قام خلال تولّيه حقيبة وزارة الأشغال العامّة والنقل، باستعجال الإدارة والضغط على موظّفيها وإصراره على إعداد ملف التلزيم حتّى قبل استكمال الدراسة واستلامها من قِبَل الإدارة، وإصراره على إنجاز كافة المراحل المطلوبة وتوقيع المستندات اللاّزمة في مكتبه وفي يوم واحد في بعض الأحيان دون الأخذ بتحذيرات الموظّفين الشفهيّة ودون منحهم الوقت الكافي لدراسة المعاملات بشكل وافٍ.

وبما أنّ تصرّفات السيّد الصفدي الموصوفة أعلاه موثّقة في الإفادات الّتي أدلى بها كلّ من رئيس دائرة الدراسات الفنيّة ورئيس مصلحة الدروس ورئيس مصلحة التصميم والبرامج والمدير العام للطرق والمباني الّذين كانوا يتولّون هذه المناصب في حينه، كما أنّها موصوفة في التحقيقات الّتي أجراها التفتيش المركزي ومعزّزة بالكتاب رقم 319/ص تاريخ 24/5/2008 الموجّه من الوزير، في حينه، إلى المدير العام والّذي يؤكّد فيه مجدّداً ضرورة "إجراء ما يلزم من تصحيح لبعض الكميّات الواردة في ملف التلزيم نظراً للسرعة في إعداده بناء على توجيهاتناً.

وبما أنّ استعجال السيد محمد الصفدي وممارسته الضغوط على موظفي الإدارة وتخطيه للأصول الإدارية والقانونية في إعداد ملف التلزيم وإرساله إلى إدارة المناقصات حتى قبل إستلام الدراسة من قبل الإدارة قد ساهم بشكل كبير في دفع الإدارة إلى إستلام الدراسة بالصيغة المرسلة بها إلى إدارة المناقصات ودون أي تعديل أو تصحيح نظراً لكون الملف قيد التلزيم.

وبما أنّ أفعال السيد محمد الصفدي قد أدّت، بالفعل، إلى أخطاء إدارية وفنية كبيرة نجم عنها وقف تنففيذ المشروع وخسارة الأموال العمومية نتيجة عدم القدرة على الإستفادة من الدراسة الموضوعة من قبل الإستشاري وخسارة الأموال التي تم إنفاقها في سبيلها وخسارة الأموال المتعلقة بعملية التلزيم.

وبما أنّ المادة 60 من قانون تنظيم الديوان، نصّت على ما يلي:

"يعاقب بالغرامة من /150/ألف ليرة الى مليون وخمسماية الف ليرة كل موظف ارتكب او ساهم في ارتكاب احدى المخالفات الواردة في هذه المادة، وذلك بالاضافة الى الالزامات المدنية والعقوبات الجزائية والمسلكية التي يمكن ان تقضي بها المراجع المختصة:
...

"8-ارتكب خطأ او تقصيرا او اهمالا من شأنه ايقاع ضرر مادي بالاموال العمومية او بالاموال المودعة في الخزينة.
...
10- خالف النصوص المتعلقة بادارة او استعمال الاموال العمومية او الاموال المودعة في الخزينة. .."،

وبما أنّ المادة 61 من قانون تنظيم الديوان، نصّت على ما يلي:

"اذا تبين ان المخالفة المنصوص عليها في المادة 60 من هذا المرسوم الاشتراعي قد ألحقت ضررا او خسارة بالاموال العمومية او بالاموال المودعة في الخزينة، يحق للديوان ان يعاقب الموظف المخالف، علاوة على الغرامة المنصوص عليها في المادة 60 بغرامة تحسب بالنسبة الى اهمية المخالفة المرتكبة والى مقدار الراتب غير الصافي الذي يتقاضاه الموظف المخالف في حال تقاضيه راتبا او الى مقدار مخصصاته او ما يماثلها في الحالات الاخرى.

لا يمكن ان تقل هذه الغرامة الاضافية عن راتب الموظف الشهري او عن مخصصاته الشهرية او ما يعادلها بتاريخ ارتكاب المخالفة ولا ان تزيد على مجموع راتبه السنوي او مخصصاته السنوية ما يماثلها بالتاريخ المذكور وفي حال قيامه بالعمل دون بدل تكون الغرامة بين الف ليرة وعشرة آلاف ليرة لبنانية..".

وبما أنً السيد محمد الصفدي يكون، بناءً على كلّ ما تقدم، قد أقدم على مخالفة الفقرتين 8 و 10 من المادة 60 من قانون تنظيم الديوان وألحق بذلك ضرراً بالأموال العمومية يستدعي أيضاً تطبيق المادة 61 من قانون تنظيم الديوان بحقه وتغريمه بما يتناسب والضرر المحقق بالنظر إلى قيمة الدراسة.

ب‌- فيما يتعلق بالمهندس عماد الحاج شحادة:

وبما أنّ القرار المؤقت نسب إلى المهندس عماد الحاج شحادة قيامه بإعداد ملف التلزيم على الرغم أنّ الدراسة لم تكن قد إستلمت بعد مؤقتاً ونهائياً من قبل الإدارة، ما يشكل مخالفة للفقرة 8 من المادة 60 من قانون تنظيم الديوان.

وبما أنّ ما جاء في دفاع المهندس عماد الحاج شحادة لجهة عدم صلاحيته التأكد من إستلام الدراسات وعدم مسؤوليته عن "متابعة الملف عند دراسته وتحويله إما للإستلام في مصلحة الإنشاءات ومن بعدها إلى دائرة المشاريع لتنظيمه..." واقع في غير موقعه ويستوجب الردّ لأنّه - وإنّ صحّ أنّ المهندس الحاج شحادة ليس مسؤولاً عن متابعة ملف الدراسة وتحويلها إلى لجنة الإستلام المختصة وفقاً لآليات العمل المطلوبة في الإدارة، - إلًا أنّه يبقى من واجبه، بصفته معدّ ملف التلزيم، التأكد من معاملة الدراسة المحالة إليه لإعداد ملف تلزيم على أساسها والتأكد من توقيعها من قبل الإستشاري الذي وضعها والتأكد من ورود نسخة عن محضر الإستلام المؤقت والنهائي للدراسة، وإلّا يصبح معد ملف التلزيم شريكاً في المسؤولية عن مضمون الدراسة.

وبما أنّ ما جاء في دفاع المهندس عماد الحاج شحادة لجهة تحميل قرار هيئة التفتيش المركزي رقم 82/2010 المسؤولية لرئيس مصلحة الدروس كونه حلقة ربط بين جميع الدوائر لا يعفي المهندس الحاج شحادة ويستوجب الرد لأن ما ورد في قرار التفتيش المركزي وحرفيته:

وحيث تبيّن أنّ رئيس مصلحة الدروس في مديرية الطرق المهندس غازي فران قام بإعداد ملف تلزيم الأشغال في مدينة طرابلس (مشروع جسور البحصاص) بناءً على خرائط أولية وقبل إستكمال الدراسة العائدة له، كما وافق على كشف تقديري وكميات لم تستند على خرائط نهائية موقعة من قبل الإستشاري (شركة يونيتيك) وعلى الرغم من الأخطاء الواردة فيه (أخطاء في التسمية) ما يرتب عليه المسؤولية لمخالفة أصول إدارة المواد وتنفيذ الأشغال".

يثبت أنّ ملف التلزيم كان يتضمن أخطاء وأنّه لم يستند إلى خرائط نهائية موقعة من قبل الإستشاري (شركة يونيتيك) وكان من واجب المهندس الحاج شحادة التنبّه إلى هذا الموضوع والتأكد من وجود محضر إستلام نهائي للدراسة والإستحصال على نسخة عن الخرائط النهائية موقعة من الإستشاري.

وبما أنّ المهندس عماد الحاج شحادة يكون، تبعاً لما تقدّم، قد أقدم على مخالفة الفقرة 8 من المادة 60 من قانون تنظيم الديوان المتعلقة بـــ "إرتكاب خطأ أو تقصير أو إهمال من شأنه إلحاق ضرر مادي بالأموال العمومية أو الأموال المودعة في الخزينة".

ج‌- فيما يتعلق برئيس دائرة المشاريع بالإنابة المهندس حسن خوندي:

وبما أنّ القرار المؤقت نسب إلى المهندس حسن خوندي، الذي كان يتولى في حينه مهام رئيس دائرة المشاريع بالإنابة، موافقته على ملف التلزيم المعد من قبل المهندس عماد الحاج شحادة على الرغم من أنّ الدراسة لم تكن قد إستلمت بعد مؤقتاً ونهائياً من قبل الإدارة، ما يشكل مخالفة للفقرة 8 من المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
وبما أنّه جاء في دفاع المهندس خوندي أنّ ملف التلزيم كان قد تم تحضيره وإحالته إلى إدارة المناقصات من قبل الوزير، في المرة الأولى، بتاريخ 6/2/2007 بموجب الكتاب رقم 99/ص، أي قبل حوالي شهرين من تكليف المهندس خوندي بمهام رئيس دائرة المشاريع بموجب القرار رقم 183/1 تاريخ 3/4/2007، وبأنّ أي توقيع له بعد هذا التاريخ يدخل ضمن إجراء تصحيحات على ملف التلزيم طلبت بعد إعادته من قبل إدارة المناقصات.

وبما أنّ ما جاء في دفاع المهندس خوندي يقتضي الأخذ به والكف عن ملاحقته بخصوص المخالفات المنسوبة إليه في متن القرار المؤقت.

وبما أنّه، أمام هذا الواقع، يحتفظ الديوان بحقه في إرسال مذكرة إلى الإدارة لتبيان هوية الموظف الذي كان يتولى مهام رئيس دائرة المشاريع قبل أن يكلف بها المهندس حسن خوندي، كي يبنى على الشيء مقتضاه.

د‌- فيما يتعلق بمدير الطرق بالإنابة المهندس جوزف بو سمرا:

وبما أنّ القرار المؤقت نسب إلى المهندس جوزف بو سمرا، الذي كان يتولّى في حينه مهام مدير الطرق بالإنابة، موافقته على رفع ملف التلزيم إلى المدير العام للطرق والمباني دون لفت نظر هذا الأخير إلى أنّ الدراسة لم تكن قد إستلمت بعد مؤقتاً ونهائياً.

وبما أنّه جاء في دفاع المهندس بو سمرا أنه كان يشغل منصب مدير الطرق بالإنابة، في حينه، بصورة مؤقتة وغير دائمة نظراً لكون مدير الطرق الأصيل في إجازة إدارية قصيرة وبأنّ وزير الأشغال قام بإستدعائه إلى مكتبه بتاريخ 6/2/2007، أسوةً بباقي الموظفين المعنيّين بالملف، وطلب إليه وإليهم توقيع ملف التلزيم.

وبما أنّ ما جاء في دفاع المهندس بو سمرا يقتضي الأخذ به والكف عن ملاحقته بخصوص المخالفات المنسوبة إليه في متن القرار المؤقت نظراً إلى أنّه من غير المنطقي تحميل المهندس بو سمرا مسؤولية الإطلاع على كافة تفاصيل الملف المرفوع إليه من قبل رئيس مصلحة الدروس والمطلوب بإصرار من قبل الوزير، نظرا" إلى أنّ دوره كان يقتصر فعليّا" على تسيير الأعمال خلال غياب المدير الأصيل في إجازته الإدارية وليس بعرقلة العمل بحجة ضرورة التمحيص في تفاصيل كل ملف.

لــــذلــــــــــــــــك

يقرر الديوان بصورة نهائية وفي نطاق الرقابة القضائية على الموظفين:

أولاً: قبول دفاع كل من الوزير السابق للأشغال العامة والنقل، السيد محمد الصفدي، والمهندسين جوزف بو سمرا وحسن خوندي وعماد الحاج شحادة في الشكل.

ثانياً: رد دفاع الوزير السابق للأشغال العامة والنقل، السيد محمد الصفدي، وفرض غرامة عليه قدرها /1,500,000/ل.ل. (مليون وخمسمائة ألف ليرة لبنانية) سنداً إلى أحكام المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، بالإضافة إلى غرامة تساوي راتب ثلاثة أشهر تحتسب بناءً على الراتب الذي كان يتقاضاه بتاريخ المخالفة سنداً إلى أحكام المادة 61 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.

ثالثاً : رد دفاع المهندس عماد الحاج شحادة وفرض غرامة عليه قدرها /1,500,000/ل.ل. (مليون وخمسمائة ألف ليرة لبنانية) سنداً إلى أحكام المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.

رابعاً: الكف عن ملاحقة المهندس حسن خوندي بالنسبة للمخالفات المنسوبة إليه بصفته رئيس دائرة المشاريع بالإنابة.

خامساً: الكف عن ملاحقة المهندس جوزف بو سمرا بالنسبة للمخالفات المنسوبة إليه بصفته مدير الطرق بالإنابة.

سادساً: إحاطة مجلس النواب علما" بالمخالفات المرتكبة من قبل الوزير السابق، السيد محمد الصفدي سندا" لأحكام المادة 64 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.

سابعاً: إبلاغ هذا القرار إلى وزارة الأشغال العامة والنقل – المديرية العامة للطرق والمباني – أصحاب العلاقة – النيابة العامة لدى الديوان ووزارة المالية بغية تحصيل الغرامات المفروضة.

ثامناً: الطلب إلى وزارة المالية إفادة الديوان تباعاً عن الإجراءات المتخذة من قبلها لتحصيل الغرامات المفروضة وتواريخ تسديد هذه الغرامات.

x x x

قراراً قضائياً صدر في بيروت بتاريخ الرابع والعشرين من شهر أيلول سنة ألفين وعشرين.

كاتبة الضبط المستشـــار المستشار الرئيــــــــس
زينب مسيلب نجوى الخوري جوزيف الكسرواني عبد الرضى ناصر

 

يحال على المراجع المختصة
بيروت في / /2020
رئيس ديوان المحاسبة
القاضي محمد بدران

  1. Popular
  2. Trending
  3. Comments

Calender

« September 2021 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30