بعد تأجيل لمرتين متتاليتين، قررت لجنة الأشغال والطاقة فتح ملف الفيول والكهرباء بحضور وزير الطاقة في الحكومة المستقيلة ريمون غجر ورئيس مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان كمال الحايك ورئيس إدارة المناقصات جان العلية، في محاولة منها لوضع يدها على "مغارة الألغاز والاتهامات". كثيرة هي الأسباب التي استدعت عقد مثل هذه الجلسة التي انتهت إلى تسمية لجنة لتقصّي الحقائق، لتنضمّ إلى رتل اللجان المؤلّفة، والتي يُخشى أن تغرق في متاهة الاجتماعات والمستندات والمستندات المضادة، فتُنهي مهمتها كما ستبدأها، على بيانات إدانة لا تقدّم ولا تؤخر، فيما تذهب المناقصة المنتظرة أدراج الرياح. ومع ذلك، كانت لجلسة يوم أمس فوائدها. فقد وضعت وزارة الطاقة وجهاً لوجه أمام إدارة المناقصات بعد سجالهما العلني حول دفتر شروط شراء الفيول لزوم مؤسسة كهرباء لبنان، في مسعى خجول لمعرفة "الحق على مين ومع مين" في دفتر كان يفترض انهاؤه قبل انتهاء مدة العقدين الموقّعين مع "سوناطراك" و"كي بي سي"... وإذ به يتحوّل إلى مادة تقاذف للمراسلات بين الإدارتين المعنيتين. لكن الاجتماع الذي أريد له أن يكون أشبه بـ"جلسة محاكمة"، بدا مضبوطاً تحت سقف الدبلوماسية والايجابية اللتين تحلى بهما وزير الطاقة (تلقى ثناء من بعض النواب على مناقبيته وأخلاقه في التعاطي)، والذي لم يتردد في الإشارة إلى أنّ الدفتر الموضوع لحظ مواصفات عالية في سبيل ضمان استلام الفيول المطلوب، لافتاً إلى أنّ الوزارة قصدت إدارة المناقصات مع انّه كان بإمكانها أن تجري المناقصة بنفسها من دون أن يذكر الجهة القضائية التي أفتت له بهذا الباب، فيما تولى جان العلية شرح وجهة نظر إدارة المناقصات من الدفتر قبل الإضاءة على الثغرات التي عابت مراسلات وزارة الطاقة. أمّا مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان فاتخذ من الحياد الايجابي موقعاً له، مشيراً إلى أن المؤسسة لم تتدخل في مسألة المواصفات التي تمّ وضعها وفقاً لرغبة المصنّع، معترفاً أنّ ثمة أخطاء وقعت فيها المؤسسة وقد تمّ تصحيحها في إدارة المناقصات من خلال خبراء الاتحاد الأوروبي، نافياً أن يكون قد اطلع على الدفتر مؤكداً بأنّه لا مشكلة لديه بأي خيار تسير فيه إدارة المناقصات التي يثق بها. أما العلية فقد توسع في مقاربته وخرج بعض الشيء عن السياق ليتطرق إلى قضية البواخر متعمّداً إضافة توصيف "العارض الوحيد"، كما جاء في أكثر من محضر وفق تأكيده، لينتقل إلى دفتر الشروط مشدداً على أنّ إدارة المناقصات تحرص على فتح باب المنافسة أمام الجميع مع ضوابط على عملية التسليم، مؤكداً أنّ لا مانع لديه من تحميل الدفتر مواصفات عالية ترفع المنافسة ولكن شرط ألا تتحول إلى باب للعمولات، "كما علّمتنا التجارب السابقة وها هو القرار الظني في قضية الفيول المغشوش يأتي على ذكرها"، مؤكداً أنّ المشكلة هي مراقبة الاستلام. وشدد على أنّ الضوابط لا تقلّ أهمية عن المواصفات كونها تكفل سلامة التسليم مشيراً إلى أنّ العقد المنوي توقيعه مع العراق، اذا ما نجحت المفاوضات، قد يقع في الأفخاخ ذاتها التي وقع فيها عقد "سوناطراك" اذا لم تحصل رقابة صارمة تمنع السمسرات. ولفت إلى أنّ شوائب عقد سوناطراك تجلّت في سوء تطبيقه وليس بمشاركة شركات محلية، مؤكداً أنّ إدارة المناقصات ترفض حصر المنافسة بشركات عالمية وإلا "فليخرج نصّ صريح بذلك من مجلس الوزراء أو من لجنة الأشغال العامة يجيز هذه الحصرية كي تأخذ بها الإدارة. أمّا غير ذلك، فسلامة العقد تكون بالضوابط والرقابة". وقد لاقاه وزير الطاقة بقوله إنّه لا يعارض مشاركة عارضين محليين اذا توفرت لديهم الشروط المطلوبة. لكن العالمين في هذا المجال يعرفون جيداً أنّ سرّ دفتر الشروط يكمن في المواصفات. يعلّق أحد النواب على الجلسة وأهدافها بالقول إنّ علامات الشكوك تحيط بملف الكهرباء والفيول ولذا كان من الضروري فتح هذه المغارة، خصوصاً وأنّ السلطة القضائية عادة ما تصطدم بمصالح القوى السياسية ونفوذها فتأتي على صغار الموظفين فقط. كان لا بدّ بنظره من الإجابة على أسئلة سبق لإدارة المناقصات أن أثارت بعضها، وهي: لماذا انتهت مناقصة البواخر على عارض واحد؟ لماذا الإصرار على المواصفات العالية في الفيول في الوقت الذي يُستخدم فيه أسوأ الأنواع في معامل انتاج الكهرباء؟ كيف صرفت الملايين على اصلاح المعامل ولماذا؟ أين أصبحت قضية الفيول المغشوش؟ ما هي نوعية الفيول الذي كان يخرج من الجزائر وأي فيول كان يصلنا؟ على هذا الأساس تمّ تشكيل لجنة تقصي حقائق تضمّ رئيس لجنة الأشغال نزيه نجم رئيساً، وكلّاً من النواب: حكمت ديب، جهاد الصمد، جوزيف اسحاق، حسين الحاج حسن، فريد هيكل الخازن، سيزار أبي خليل، فيصل الصايغ، محمد الحجار ومحمد خواجة. ويفترض أن تبدأ عملها مطلع العام المقبل لتحدد أهدافها وخريطة طريقها. في الخلاصة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الجلسة ساهمت في وضع اللجنة يدها على الملف حتى لو لم تصل إلى نهايات واضحة وحاسمة، لكنها بالنتيجة نزعت "حق الحصرية" من يد وزارة الطاقة. ولكن في المقابل، غرقت الجلسة "أول دخولها" في متاهة الأخذ والرد، فلم تحسم موقفها من الخلاف الحاصل حول دفتر الشروط بين الوزارة وإدارة المناقصات، أقله في اتهامات العرقلة واطلاق المناقصة، ولا من الجهة المخولة اجراء المناقصة... فهل ستتولى لجنة تقصي الحقائق حسم هذه الالتباسات؟ صعب جداً.

المفكرة القانونية تنشر ثلاث مرافعات نموذجية
للدفاع عن حرية التعبير ومعاقبة استغلال عاملات المنازل ومكافحة التحرش في مكان العمل

 

مرافعة نموذجية لمعاقبة الاتجار بعاملات المنازل الأجنبيات


هذه المرافعة النموذجيّة مخصّصة لمعاقبة جناية الاتجار بعاملات المنازل الأجنبيّات اللواتي وقعن ضحية للاستغلال. وتساهم هذه الشّكوى النموذجيّة في تسهيل عمل المحامين والقضاة المعنيين بقضايا عاملات المنازل لتسهيل وصولهنّ إلى العدالة والإنصاف نظراً للعوائق القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تواجهها العاملات.

وقد ارتأت "المفكرة" ضرورة صياغتها نظراً لتفشّي حالات استغلال عاملات المنازل في لبنان في ظلّ استثنائهنّ من حماية قانون العمل وخضوعهنّ لنظام الكفالة (غير القانونيّ) الذي يمنح امتيازات واسعة لأصحاب العمل ومكاتب الاستقدام ويبقيهم في منأى عن أيّ محاسبة في حال ارتكابهم مخالفات وجرائم بحقّ العاملات.

 

مرافعة نموذجية دفاعاً عن حريّة التعبير


هدف هذه المرافعة النموذجية إلى توثيق أهمّ الحجج التي بالإمكان الإدلاء بها في القضايا المرفوعة ضدّ أشخاص ومؤسسات إعلامية أمام محاكم المطبوعات في لبنان. والغاية منها توفير مادّة للإعلاميين والمحامين والقضاة تُمكّنهم، كلٌّ من موقعه، من الدفاع عن الأشخاص المدّعى عليهم بارتكاب جرم مطبوعات أو حمايتهم، كلّما هدف ذلك الادّعاء إلى تقييد حريّة التعبير من دون مبرّر.

وقد ارتأت “المفكرة القانونية” ضرورة صياغة هذه المرافعة، انطلاقاً من تشخيصها لوضع الحريّات العامّة في لبنان، وخصوصاً في ظلّ هيمنة “نظام المقامات” أي النظام القائم على إعلاء شأن هذه المقامات مع ما يستتبع ذلك من ممارسات وضوابط مبالغ بها على الحريّات العامّة.

مرافعة نموذجية لمكافحة التحرّش في مكان العمل
دعماً لحق ضحايا التحرّش في أماكن العمل في الوصول إلى العدالة، أنجزت “المفكرة القانونية” مرافعة نموذجية بإمكان أي محام استخدامها في أي قضية تحرّش في أماكن العمل قد يوكّل فيها كما بإمكان مجلس العمل التحكيمي الاستلهام منها في حال النظر في قضايا مماثلة.

هذه المرافعة النموذجية مخصصة لمكافحة مختلف أنواع التحرّش الواقعة في مكان العمل أو خلال تنفيذ عقد عمل ما. وقد ارتأت “المفكرة” ضرورة صياغتها نظراً لتفشّي حالات التحرّش في لبنان وضعف الوسائل القانونية المتوفرة لدرئها أو ردعها. والواقع أن المشرّع اللبناني لم يخصّص حتى الآن أي تشريع خاص لمكافحة التحرّش على الرغم من التزاماته الدولية في هذا الإطار.

إعداد سعيد عيسى
ميّز قانون العمل اللبناني الصادر عام ١٩٤٦ بين نزاعات العمل، بناء لطابعها الفردي أو الجماعيّ، وخصّ كلّ منها، بمرجعٍ قضائيّ، فإلى جانب قانون العمل الذي احتوى في طياته "مجالس العمل التحكيميّة" التي تنظر بنزاعات العمل الفرديّة، فقد صدر عام ١٩٦٤ المرسوم رقم ١٧٣٨٦ الخاصّ بعقود العمل الجماعيّة والوساطة والتحكيم، الهادف لوضع آليّة لمعالجة نزاعات العمل الجماعيّة، عبر إنشاء اللجنة التحكيميّة للنّظر بنزاعات العمل الجماعيّة.
وعرّف المشترع نزاعات العمل الفرديّة بتلك الناشئة عن عقود عمل فرديّة، أي المعقودة بين أجير\ة وصاحب\ة عمل؛ وأمّا نزاعات العمل الجماعيّة، فقد عرّفتها المادة ٢٩ من المرسوم الوارد ذكره آنفا الصادر عام ١٩٦٤، بأنّها تلك القائمة بين جماعة من الأجراء وتتناول مصلحة جماعيّة، تتسم بطابع اقتصاديّ، أو اجتماعيّ، متعلّقة بزيادة الأجور أو بزيادة التقديمات الاجتماعيّة وغيرها، وهي مطالب غير مُستندة إلى نصّ قانونيّ أو تعاقديّ نظاميّ، وينتج عنها انعكاسات خطيرة "إذ غالبًا ما يلجأ الأجراء إلى إعلان التوقّف عن العمل، أو يقرّر صاحب العمل إغلاق مؤسسته"، وهذا ما حمل المشترع إلى إيجاد حلول سريعة وفاعلة تفاديًا لانفجار الخلاف" تتمثل في الوساطة والتحكيم.
بخصوص النزاعات الفرديّة، نصت المادة ٧٧ من قانون العمل اللبنانيّ على إنشاد مجلس عمل تحكيمي في مركز كلّ محافظة، يكون صالحًا للنّظر في نزاعات العمل الفرديّة والنّزاعات النّاشئة عن تطبيق قانون الضّمان الاجتماعي، كما شملت صلاحيات مجالس العمل النّظر في "الخلافات النّاشئة عن تحديد الحدّ الأدنى للأجور"، و"الخلافات النّاشئة عن طوارئ العمل المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعيّ رقم ١٣٦\٨٣"، وعلي الرّغم من استثناء عدد من القطاعات من الإفادة من أحكام قانون العمل بموجب المادة السابعة منه (أهمّها الزراعة والبناء والعمل في الخدمة المنزليّة)، فإنّ صلاحيات مجالس العمل التحكيميّة تمتدّ لتشمل هذه العلاقات، وذلك بموجب التعديل الذي ورد في المرسوم رقم ٣٥٧٢ تاريخ ٢١\١٠\ ١٩٨٠، الذي وسّع صلاحيات المجلس لتشمل النّظر في جميع الخلافات النّاتجة عن علاقات العمل، بمفهوم المادّة ٦٢٤ من قانون الموجبات والعقود، بالإضافة إلى الخلافات والمنازعات المنصوص عنها في المادّة ٨٥ من قانون الضمان الاجتماعيّ ؛ وبذلك لا ينطبق استثناء المادّة السّابعة على اختصاص مجالس العمل .
تركيبة مجالس العمل التحكيميّة:
تتميّز مجالس العمل التحكيميّة عن غيرها من المحاكم، من ناحية تركيبتها، وتحديدا لجهة إشراك ممثلين عن الفئات المعنيّة بالنّزاع، من خارج السّلك القضائيّ؛ فقد حدّدت المادة ٧٧ من قانون العمل (المعدّلة عام ١٩٨٠) أعضاء مجلس العمل التحكيميّ وفقًا للتوزيع الآتي:
- "قاضٍ من الدّرجة السّادسة وما فوق رئيسا، يعيّن بمرسوم بناد على اقتراح وزير العدل، وموافقة مجلس القضاء الأعلى (عمليّا، يجري تعيين القاضي ضمن مرسوم التشكيلات والمناقلات القضائيّة).
- ممثّل عن أصحاب العمل وممثّل عن الأجراء يعيّنان بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير العمل.
- يعيّن لدى المجلس مفوّض حكومة، من بين موظفي الفئة الثالثة في الإدارات العامّة، على أن يكون حائزًا على إجازة في الحقوق (يعيّن عمليّا من بين موظفي وزارة العمل).

مشاكل مجالس العمل التحكيميّة
تعاني مجالس العمل التحكيميّة من البطء الشديد في البت بالنّزاعات المقدّمة أمامها، ومن تعطيل عملها أحيانًا أخرى نتيجة الخلافات السياسيّة، فخلال عامي ٢٠١١-٢٠١٢ تعطّل عملها لمدّة تسعة أشهر، نتيجة خلاف على تسمية ممثلي العمّال بين وزير العمل ورئيس مجلس الوزراء، وتراكم أكثر من ٢٨٠٠ دعوى مقدمة أمام مجلس العمل التحكيميّ في بيروت، و١٥٠٠ دعوى في جبل لبنان ، وأفاد مدير عام وزارة العمل عن دراسة أعدتها الوزارة، أظهرت تراكم آلاف الشكاوى منها ما يعود للأعوام ٢٠٠٤ و٢٠٠٥ و٢٠٠٦، وعزا الأمر إلى حصر دور الوزارة بالتوسّط بين التنازعين دون أن يكون لها رأي (يقتصر دور الوزارة في حال حصول نزاع بين أجير وصاحب عمله على دور الوسيط والتوفيق بينهما دون أن يكون لها حق فرض رأيها، والطرفان غير ملزمَين بأخذ رأيها في عين الاعتبار).
يعود تسمية ممثلي الأجراء في مجلس العمل التحكيمي إلى قيادة الاتحاد العماليّ العام، وليس هناك في الاتحاد من أصول واضحة لاختيارهم، ولا شروط معيّنة، ما يفتح الباب أمام المحسوبيّة والتدخلات السياسيّة في التسميات، وكل ما جاء في قانون العمل عن تسمية الممثلين، يقتصر على "أن يكون ممثّل الأجراء لبنانيّا، أتمّ الواحدة والعشرون، غير محكوم بجناية، أو جريمة شائنة، وأن يكون مارس المهنة مدة خمس سنوات على الأقل ، وحتى هذه الأخيرة قد لا تكون متوفّرة في المرشحين للتسمية، وقد يكون لا علاقة لهم بالمهنة لا من قريب أو بعيد، ويفتقر ممثلي العمّال في مجالس العمل التحكيميّة إلى الحدّ الأدنى من المعرفة بقانوني العمل والضمان الاجتماعي، ولذلك يلوذون بالصمت المطبق أثناء انعقاد جلسات مجلس العمل التحكيميّ، وقد يتوحّد رأيهم ضدّ الأجير مع ممثلي أصحاب العمل أثناء المداولات التي تصب في مصلحة أصحاب العمل.

غرف مجالس العمل التحكيمية:
حدد المرسوم رقم 6304 تاريخ 5/10/1973 عدد غرف مجالس العمل التحكيمية التابعة لكل محافظة وفقا لما يلي:
- مجلس العمل التحكيمي في بيروت (المركز بيروت)، عدد الغرف: ٥.
- مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان (المركز بعبدا)، عدد الغرف: ٥.
- مجلس العمل التحكيمي في لبنان الشمالي (المركز طرابلس)، عدد الغرف: ٥.
- مجلس العمل التحكيمي في لبنان الجنوبي (المركز صيدا)، عدد الغرف:٢.
- مجلس العمل التحكيمي في البقاع (المركز زحلة)، عدد الغرف: ٢.
- مجلس العمل التحكيمي في عكار (المركز حلبا)، عدد الغرف: 1
- مجلس العمل التحكيمي في بعلبك – الهرمل (المركز بعلبك)، عدد الغرف: 1


التقدّم بالدعاوى أمام مجالس العمل التحكيميّة:
أعفى مجلس العمل التحكيميّ الفريقين المتنازعين، العمّال وأصحاب العمل من الرّسوم القضائية (المادة ٨٠ من قانون العمل)، ومن إلزاميّة الاستعانة بمحام (المادة ٤ من مرسوم ١٩٨٠)، إلا أنّه وفي تناقض واضح، نجد أحكامًا تعيق وصول الأجير أمام مجالس العمل التحكيميّة وأهمّها:
1- أبقى المشرّع النفقات القضائيّة مثل تعيين خبير على عاتق من طلبه (أجير أو صاحب عمل)، فلا يكون له حقّ استعادتها (النفقات) إلا في حال ربح الدعوى (المادة ٨٠ من قانون العمل).
2- حَصَرَ تواجد مجالس العمل التحكيميّة في مراكز المحافظات، ومن شأن هذا الأمر، عرقلة وصول من يقيم بعيدًا عن مراكز المحافظات إلى مجالس العمل التحكيميّة؛ فلو افترضنا أنّ خلافًا وقع بين عامل وصاحب عمل في أعالي قضاء كسروان، عليه التوجّه إلى بعبدا حيث مركز مجلس العمل التحكيميّ المختص، ،ما يزيد هذا الأمر قابلية للانتقاد، هو أنّ القضاء المنفرد المدني النّاظر في النّزاعات المدنيّة البسيطة، أو قاضي الأمور المستعجلة، أو القاضي المنفرد الجزائيّ، النّاظر في الجنح والمخالفات، يتواجدون في مراكز الأقضية، وأحيانًا في أكثر من مكان في القضاء الواحد؛ ومن النّافل القول، أنّ هذا التنظيم، يتعارض مع مبدأ قرب المحكمة من المتقاضين (Proximité)، نظرا لما لقرب مجالس العمّال من التّجمّعات العمّاليّة من تسهيل ولوج الأجراء إليها، وضمان سير عمل المجالس بالصورة وضمن المهل المعقولة .
3- ضآلة عدد غرف مجالس العمل التحكيميّة ما يتسبّب في إطالة مدة الدّعاوى.
4- تقييد اللجوء إلى القضاء بمهلة شهر (المادة ٥٠ من قانون العمل) لتقديم دعوى الصّرف التّعسّفيّ، وتطبّق هذه المهلة ابتداء من إبلاغ كتاب صرف خطيّ، وأيضًا من إبلاغ توضيح أسباب الصّرف في حال طلب الأجير إيضاحات بهذا الخصوص؛ هذا وقد نصّت المادّة ٣٥١ من قانون الموجبات والعقود، بسقوط حقّ الأجراء والمتدرّبين فيما يتعلّق بأجورهم، ولوازمهم، ويوميّتهم، والمال الذي أُسلفوه من أجل خدمتهم، بعد سنتين، وتعتبر مهلة السنتين، معلّقة حتى تاريخ انتهاء عقد العمل، فلا تسري إلا بعد إنهاء العقد؛ كما نصّت الفقرة الثالثة من المادّة ٤٨ من قانون الضمان الاجتماعيّ، على سقوط الحقّ بالتعويضات العائليّة بعد سنتين على استحقاقها؛ فسندًا لهذه النصوص، يفقد الأجراء الحقّ بالمطالبة بأجورهم وملحقاتها المستحقّة أمام القضاء بعد مرور سنتين على تاريخ استحقاقها (أي من اليوم الذي يحقّ فيه للأجير\ة الدائن\ة المطالبة به) .
المهلة الزمنية للفصل في الدعاوى وفي التطبيق:
نصّت المادة ٨٠ من قانون العمل اللبنانيّ على أنّ مجالس العمل التحكيميّة تنظر في القضايا المرفوعة أمامها بالطّريقة المستعجلة، وقد أعطت المادة ٥٠ من قانون العمل مجالس العمل مهلة ثلاثة أشهر للبتّ بالقضيّة المطروحة أمامها؛
إلا أنّ ما يحصل على أرض الواقع مخالف تمامًا لنصّ القانون، فالمهل المحدّدة قانونا يتمّ تجاوزها لأسباب عديدة، أهمّها:
1- كثرة عدد الدّعاوى بما يفوق قدرة المجالس على بتها ضمن المهل القانونيّة.
2- قلّة عدد غرف مجالس العمل التحكيميّة نسبة للدعاوى المرفوعة أمامها.
3- إجراءات التبليغات وتبادل اللوائح تأخذ وقتا طويلا.
4- غياب أحد أطراف الدعوى الذي غالبًا ما يكون صاحب العمل، ما يدفع القاضي لتأجيل الجلسات مرارًا وتكرارا.
5- ضعف خبرة ممثلي العمّال المنتدبين للمشاركة في المجالس وصولا إلى انعدامها.
6- حاجة القضاة الذين يأتون من محاكم جزائية ومدنية الى معرفة أدق بقانون العمل ، مع العلم أن بعض القضاة في غرف مجالس العمل يتولون مهامهم منذ أكثر من 5 سنوات ما يعني أنهم يملكون خبرة جيدة.
7-
8- الإجراءات المعتمدة من قبل بعض مجالس العمل التحكيميّة مثل إحالة القضايا المعروضة أمامها إلى دائرة التحقيق في وزارة العمل ليتمّ التحقيق فيها مع طرفي النّزاع، في محاولة لفتح الباب أمام الطّرفين للمصالحة قبل النّظر في النّزاع قد تأخذ وقتا طويلا.
9- وصول المتوسّط الزمني للبتّ بالدعاوى إلى أربع سنوات وثلاثة أشهر ،
10- قبول النّقض لقرارات مجالس العمل التحكيميّة أمام محكمة التمييز خلال مهلة ٣٠ يوما من تاريخ تبليغ القرار النّهائيّ بالنسبة للأحكام الوجاهيّة، و١٥ يوما من تاريخ تبليغ قرار المحكمة بالنسبة للأحكام الغيابيّة،
11- إعطاء مهلة ستة أشهر لمحكمة التمييز للبتّ في القضايا المميّزة أمامها.
12- النّقص في عدد القضاة نسبة إلى الدعاوى المرفوعة أمام مجالس العمل التحكيميّة،
13- تنوع اختصاصات مجالس العمل التحكيمية من طوارئ العمل الى النزاعات التي تتعلق بالمؤسسات العامة ذات الطبيعة الاستثمارية وغيرها،
14- المبالغة في المطالب وما يستلزم ذلك من تحقيقات قد تأخذ وقتا طويلا.

اقتراحات لتعديلات قانونيّة أو تنظيميّة تتعلّق بمجالس العمل التحكيميّة:
1- اقتراح القانون الذي أعدّ خلال عهد وزير العمل على قانصو سنة ٢٠٠٨، الذي تضمن فقرة تهدف إلى التخفيف من الدعاوى أمام مجالس العمل التحكيميّة، من خلال تدخّل وزارة العمل لحلّ النّزاع قبل الذهاب إلى مجالس العمل، واعتبار الفترة الزمنيّة المخصًصة لوساطة وزارة العمل لا تُسقط حقّ الأجير في تقديم شكوى الصّرف التعسّفيّ .
2- اقتراح القانون الذي أعدّ خلال عهد وزير العمل بطرس حرب عام ٢٠١١، الذي وسّع سلطة رقابة وزارة العمل، وخوّلها حق الفصل والاعتراض ضدّ العقوبات المسلكيّة، وبالاعتراضات المقدّمة إليها من أعضاء مجالس نقابات فصلوا من عملهم .
3- اقتراح وزير العمل الأسبق شربل نحّاس بتعديل نصّ المادة ٧ من قانون العمل، ليحصر الفئات المستثناة من حماية قانون العمل بموظفي الإدارات الحكوميّة والهيئات البلديّة، وبتعديل نصّ الفقرة (و) من المادة ٥٠، التي تجيز لأصحاب العمل إنهاد عقود العمل في حال توافر ظروف اقتصاديّة صعبة، دون موجب التّعويض على الصّرف، على نحو يُلزم أصحاب العمل بإعلام الوزارة بها، قبل ثلاثة أشهر (بدلا من شهر)، بالإضافة إلى ضرورة تقديمهم الاثباتات المحاسبيّة لوضع مؤسّستهم الاقتصاديّة.
4- اقتراح القانون المقدّم من النائبة بولا يعقوبيان عام ٢٠١٩، القاضي بإلغاء مجالس العمل التحكيميّة ونقل النّظر في نزاعات العمل إلى القضاء العادي (القاضي المنفرد في كل قضاء)، مبرّرة اقتراحها بعدم فعاليّة تلك المجالس وعجزها عن البتّ في النّزاعات ضمن الآجال المحدّدة قانونا.

اقتراحات لتفعيل مجالس العمل التحكيميّة على صعيد:
1- عمل المجالس وآلية إصدار الاحكام
- زيادة عدد القضاة وزيادة عدد الغرف في المحافظات بما يتناسب مع حجم الكثافة للعاملين فيها، مثلا يوجد في بيروت 5 غرف، و في جبل لبنان5 غرف مع انهما المحافظتين الاكثر كثافة سكانية والاكبر مساحة جغرافيا وفيهما تتركز أغلبية الشركات والمؤسسات والمصانع.
- أن لا يُحصر إنشاء الغرف في مراكز المحافظات.
- تحسين وضع الغرف وتجهيزاتها التقنية والادارية.
- إلزام القضاة بزيادة عدد الجلسات وتكثيف وتيرة العمل لانجاز القضايا المتراكمة.
- آلية درس القضايا: ضرورة إعتماد المرحلة التوفيقية في بداية عرض كل دعوى امام مجلس العمل التحكيمي، وأن تكون مُلزمة، أي العمل على اجراء مصالحات وتحديد سقف للدعاوي التي تخضع للمرحلة التوافقية (10 ألاف دولار مثلا). أما الدعاوى الكبرى فتذهب للتمييز.
- التنسيق المسبق بين القاضي ومفوض الحكومة لناحية تحضير الملفات وتحضير القرارات واتخاذ الاجراءات المسرّعة للعمل.
- وضع آلية لتعميم الإجتهادات الصادرة عن مجالس العمل التحكيمية ومحاكم التمييز على الغرف كافة ونشرها عبر الانترنيت.


2- دور وزارة العمل ومفوض الحكومة:
- إنشاء مكتب تحقيق في الوزارة تكون مهمته دراسة القضايا التي تَرِد إليها، وإجراء التحقيقات اللازمة، والسريعة بين الاطراف المتخاصمة، وتوضيح الصورة قبل أن تحال إلى غرفة القاضي، واعتبار هذه الوساطة إلزامية، ولا يجوز النظر بالدعوى أمام مجلس العمل إذا لم تمر بهذه الوساطة.
- إجراء دورات تدريب لاعضاء مكاتب التحقيق.
- تدريب مفوضي الحكومة على إجراء التحقيق والتدقيق بالقضايا الواردة وتحضيرها للعرض على المجلس.

3- دور النقابات:
- إخضاع مندوبي العمّال لدورات تدريبية، وإشتراط إنجازهم لهذه الدورات، كي يتم تعيينهم اعضاء في مجالس العمل التحكيمية.
- الطلب من النقابات إعتماد محامين على نفقتها لمساعدة العمال وأصحاب الدعاوى.
- إنشاء لجان أو مجموعات عمل في النقابات لمتابعة القضايا المعروضة على مجالس العمل التحكيمية.

 

 

 


نحو خمسة ملايين دولار، «قدّمها» بنك التمويل المملوك جزئياً وبشكل غير مباشر من مصرف لبنان لرئيس بلدية، بـ«مباركة» من الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود. الملايين الخمسة نتجت من تلاعب في تخمين سعر المتر في عدد من العقارات التي يملكها «الريّس» تحت عيون أجهزة الرقابة المؤتمنة على القانون

قبل سبع سنوات، قدّر رئيس بلدية الغسانية (قضاء صيدا) عباس فوّاز المتر البيعي في العقار الرقم 6 في البلدة الجنوبية بنحو خمسة آلاف ليرة لبنانية «نظراً الى انحداره الشديد وبُعده عن المنطقة السكنية» وفق إفادة صادرة عنه (رقم 11ر/2013 تاريخ 19/1/2013).
إلا أن العقار «المنحدِر» نفسه تملّكه بنك التمويل ــــ المملوك جزئياً وبشكل غير مباشر من مصرف لبنان عبر شركة «إنترا» ــــ العام الماضي مقابل 150 دولاراً للمتر، وفق تخمينات لجنة الرقابة على المصارف التي كان يرأسها سمير حمود حينها.
وبنتيجة التخمينات التي طالت العقار الرقم 6 (إضافة إلى 26 عقاراً آخر)، يتبيّن ــــ وفق حسبة تقديرية ــــ أنّ نحو خمسة ملايين دولار «وُهبت» لفوّاز، «بالتواطؤ مع خبراء التخمين في مصرف التمويل ومسؤولين في لجنة الرقابة على المصارف»، بحسب ما أكّدت مصادر مطّلعة على الملف لـ«الأخبار».

(حسن بليبل)


وفي التفاصيل، كما ترويها المصادر نفسها، فإنّ فواز كان مديناً لمصرف التمويل الذي تملّك العقارات الـ 27 في منطقة الغسانية (إضافة إلى العقار 1079 في منطقة الصيفي)، بعدما منحه الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف السابق الموافقة الإدارية، من أجل استيفاء جزئي للدين بموجب أحكام المادة 154 من قانون النقد والتسليف». ووفق المصادر نفسها، «ساهم الفارق في تسعير المتر البيعي في تلك العقارات في تضخيم حجم الدين المشطوب خدمةً لفواز المحسوب على إحدى الجهات السياسية. وبذلك يكون قد سدد، مثلاً، نحو ثمانية ملايين دولار من دينه لقاء عقارات لا يتجاوز سعرها الفعلي ثلاثة ملايين دولار».
ولعلّ ما يُعزّز هذه الرواية، وجود عدة تقارير أعدّها خبراء تُفيد بأن سعر المتر الواحد من كل هذه العقارات لا يتجاوز 22 دولاراً حداً أقصى. فقد ورد في تقرير للخبير المهندس فؤاد عثمان، في أيلول الماضي، أن تخمين سعر المتر الواحد من العقار الرقم 6 والعقارات التي تحمل الأرقام من 873 إلى 898 من منطقة الغسانية العقارية، يتراوح بين 17 دولاراً في حده الأدنى و22 دولاراً في حده الأقصى». كما يقدّر تقرير للخبير لدى المحكمة الابتدائية في الجنوب محمد بدر (2/3/2013) ثمن المتر الواحد في العقار الرقم 6 بمبلغ 7 آلاف ليرة لبنانية، فيما يقدّر تقرير ثالث للخبير المهندس لدى المحكمة الابتدائية في الجنوب لطف الله تويني (9 نيسان 2014) سعر المتر المربع من العقار بعد إفرازه بـ 30 ألف ليرة لبنانية.
أمّا المُفارقة الأساسية فتبقى في أنّ هناك إفادة صادرة عن رئيس البلدية نفسه، تُقدّر فيه البلدية سعر المتر البيعي في العقار الرقم 6 بحوالى خمسة آلاف ليرة لبنانية.
مصادر قانونية قالت لـ«الأخبار» إن القانون يحتّم على المصرف أن يُصفّي الممتلكات التي يحوزها بهدف استيفاء الدين، فيما تُفيد المعلومات المُستقاة من عدد من أهالي البلدة بأن العقارات للبيع عُرضت «إلا أن أحداً لم يرد شراء أرض ميتة». ويحشى هؤلاء من تداعيات «الصفقة». إذ إنها رفعت من أسعار العقارات المجاورة التي «تتمتع حكماً بميزات أكبر، فأيّ قدرة لأهالي البلدة على تملك عقار في بلدتهم حالياً، ومن يمكنه شراء عقار بمثل هذه الأسعار في ظل الأزمة الحالية؟».
فواز أكّد في اتصال مع «الأخبار» أن العقارات المذكورة «ممتلكات خاصة ولا علاقة للبلدية بتسعير المتر البيعي. إذ إن خبراء البنك هم من خمّنوا»، واضعاً الأمر في سياق «التصويب السياسي»، ومُشدّداً على أن قرضه من بنك التمويل «بالليرة اللبنانية... ولا صحة لمسألة التسعير بالدولار».
خمّنت لجنة الرقابة على المصارف سعر المتر بـ 150 دولاراً فيما لا يتجاوز 22 دولاراً في حدّه الأقصى

جوهر القضية يتعلّق في شكل أساسي بتقاعس لجنة الرقابة على المصارف عن تأدية دورها في مراقبة عمل المصارف للحؤول دون «تركيب صفقات» يكون نتاجها الحتمي إفلاسها. وفي المعلومات أن اللجنة حققت في هذه القضية وأحالتها إلى الدائرة القانونية، فيما امتنع المعنيون فيها عن الرد على استفسارات «الأخبار» عن مصير هذا التحقيق.
يذكر أنّ المحامي محمد علي زعيتر وجّه كتاباً إلى اللجنة بواسطة الكاتب العدل في برج البراجنة محمد حمادة (تم تبليغ اللجنة بتاريخ 19 أيلول الماضي)، يطلب فيه وفق قانون حق الوصول إلى المعلومات تزويده بـ«كافة المُستندات والأوراق والتخمينات وكل قرار صادر في ما خصّ العقار الرقم 6 والعقارات المفروزة منه (...) وخصوصاً المُستندات التي حدّدت تخمين بعض العقارات بسعر 150 دولاراً للمتر الواحد».
و«خصوصية» العقار الرقم 6 تعود، وفق الكتاب، إلى أنه كان موضع رهن عقاري لمصلحة مصرف التمويل، لافتاً إلى «وجود تفاوت هائل في ثمن المتر الواحد بين التخمينات المتعددة، ومن ضمنها تخمين لجنة الرقابة على المصارف، ما يُثير الشكوك والتساؤلات حول الاحتيال والإثراء غير المشروع». وبحسب المعلومات، فإن اللجنة لم تردّ على هذا الكتاب ولا على الكتب الأخرى المماثلة التي أُلحقت به.

 

في قرار مدروس وعميق جداً، ويدل على سعة علم قضاة لبنان، اعتبر قاضي الامور المستعجلة في بيروت الرئيسة كارلا شواح، انه يحق للمودع في المصرف ان يطالب بتسليمه مبالغ نقدية بالدولار من حسابه، وانه لا يعود للمصرف اجباره على قبول اي عرض آخر، كالشيك المصرفي، خصوصاً ان هذا الشك لا يشكل وسيلة ابراء غير محدودة كالنقود، اذ يبقى ايضاً للمواطن الحق في الا يكون زبوناً لاي مصرف آخر ولا يريد التعاقد مع مصرف آخر او فتح حساب لديه.

وكان المدعي في الدعوى ضد المصرف تقدم بواسطة وكيله المحامي الاستاذ عمر طرباه بالدعوى طالباً رفع التعدي عن حسابه المصرفي، والزام المصرف بتسليمه مبلغاً نقدياً بالدولار الاميركيتحت طائلة غرامة اكراهية.

وقضيت الرئيسة شواح بإلزام البنك بتمكين المدعي من سحب المبلغ نقداً وعداً تحت طائلة غرامة اكراهية. وردت طلب النفاذ على الاصل.

ومما جاء في القرار الصادر بتاريخ 18/11/2020

بناء عليه، حيث يطلب المدعي الزام المدعى عليه، بقرار نافذ على اصله، بدفع مبلغ من المال قدره /200,000/د.ا. نقداً من حسابه الجاري لديه رقم 3452550079001 بهدف تسديد التزامات مترتبة عليه، تحت طائلة غرامة اكراهية عن كل يوم تأخير في التنفيذ، وذلك سنداً لاحكام الفقرة الثانية من المادة 579 من قانون اصول المحاكمات المدنية، والا فسنداً للفقرة الثالثة من المادة المذكورة ومن ثم اعتبار المبلغ المذكور كسلفة وقتية على حساب حقه الثابت والاكيد في ذمة المدعى عليه.

وحيث يطلب المدعى عليه رد الدعوى الراهنة لعدم الاختصاص وانتفاء التعدي. فعلاقته بالمدعي هي علاقة دائن بمدينه ولا يعود لقاضي العجلة الزام المدين بدفع مبلغ من المال خارج اطار السلفة الوقتية المنصوص عنها في الفقرة الثالثة من المادة 579أ.م.م.، في حين ان اسناد الدعوى الى احكام الفقرة الثانية من المادة المذكورة غير واقع في محله القانوني، ولانتفاء وضوح التعدي العاقد لاختصاص قاضي العجلة ووجود منازعة جدية حوله تخرج عن اختصاص هذه المحكمة، وبأنه يحتفظ على سبيل الاستطراد بحقه في ايفاء المبلغ المطلوب بما يعادله بالليرة اللبنانية وبحسب سعر الصرف المحدد رسمياً من قبل مصرف لبنان بموجب شيك مصرفي يودعه في قلم المحكمة او لدى الكاتب العدل.

وحيث ان الفقرة الثانية من المادة 579أ.م.م. التي يسند اليها المدعى دعواه الراهنة تعطي لقاضي الامور المستعجلة سلطة اتخاذ التدابير الايلة الى ازالة التعدي الواضح على الحقوق والاوضاع المشروعة.

وحيث ان التعدي المقصود بحسب مفهوم الفقرة الثانية من المادة 579أ.م.م. هو كل فعل او امتناع عن فعل يصدر عن شخص خارج نطاق حقوقه المشروعة ويلحق ضرراً بالغير سواء في حقوقه او امواله او سلامته وما سواها، وهو الفعل الغاصب او غير المشروع او المخالف لقواعد ذات صلة بالسلوك المهني او الوظيفي، الذي يفترض عدم وجود نزاع جدي بشأن تحققه وبشأن صفة الوضوح العائدة له، وانه بذلك يتعين ان يكون التعدي خارج نطاق اية تفسيرات او تأويلات واقعية او قانونية ولا يقوم حوله اي شك.

وحيث ان الفعل الضار الذي يطلب من قاضي الامور المستعجلة ازالته قد ينجم عن فعل لم يجزه القانون كما وقد ينشأ من جراء احد المتعاقدين عن الالتزامات التعاقدية ومخالفته التعهدات الواضحة والصريحة او الاعراف الثابتة التي جرت عليها العادة او طبيعة التعامل، لكونه يعود لهذا القاضي اتخاذ التدابير التي تمنع التعسف والاعتداء وتصون حقوق الاطراف والفرقاء، فيقتضي معرفة ما اذا كان للمدعي حقاً مشروعاً بسحب مبلغ من المال نقدياً من حسابه لدى المصرف المدعى عليه اولا ثم الوقوف على ما اذا كان امتناع المدعى عليه من اجراء هذا السحب مسنداً الى ما يبرره او انه من قبيل التعدي الواضح على حقوق المدعي.

وحيث لا بد من الاشارة الى ان الفقرة الثانية من المادة 579أ.م.م. لم تشترط لاعمالها توافر شرطي العجلة وعدم المساس بأصل الحق وذلك لانه في الدعوى المسندة اليها فإن التعدي يستوجب حكماً اتخاذ التدبير المستعجل الايل الى رفعه، ولا يمنع على قاضي الامور المستعجلة التصدي للموضوع المتنازع عليه، لا بل يعود له بهدف التثبت من التعدي المدلى به، البحث والتمحيص في اساس الوقائع المطروحة امامه والمستندات المبرزة كافة بغية استخلاص مدى وضوحه.

وحيث ثابت من المعطيات المتوافرة كافة ان للمدعى حساباً جارياً لدى المصارف المدعى عليه برقم /3452550097001/ بلغ رصيده بتاريخ 6/2/2020 ما مقداره /581,728,13/د.ا. وفق ما هو ثابت في كشف الحساب الصادر عن المصرف المدعى عليه والمبرزة صورة عنه بلائحة المدعى الاولى، وانه يدلي بأن هذا الاخير لا يسمح له بسحب اكثر من اربعمائة دولار اميركي نقداً من هذا الحساب شهرياً، في حين انه بحاجة لسحب المبلغ المطلوب بكامله.

وحيث ان المدعي يؤكد ان طبيعة الحساب الجاري تجعل من الوديعة غير مقيدة، وان حق سحب المال يشكل الحق الظاهر الذي يلازم الحساب تحت الطلب، وان امتناع المصرف عن تمكين المودع من السحب النقدي من هذا الحساب يشكل تصرفاً تعسفياً وتعدياً على حقوقه، وان المصارف مؤتمنة على حقوق المودع وتخضع لاوامره بشأن وديعته بما يتوافق مع طبيعتها، وان القيود المصرفية التي وضعتها على العمليات المصرفية تتعارض مع طبيعة النظام الاقتصادي اللبناني الحر وهي بحاجة الى تشريع ولا تلزم الزبون، فإن تلك القيود التي يمارسها المدعى عليه على السحوبات تشكل تعدياً واضحاً لا لبس فيه، كما يؤكد ان مجرد ثبوت حقه في وديعته تتحقق شروط اعمال الفقرة الثانية من المادة 579 أ.م.م. سواء طالب برفع التعدي عن كامل هذه الوديعة ام عن جزء منها.

في حين يدلي المدعى عليه بأن المطالبة بدين المدعي لا يمكن ان تتم امام هذه المحكمة الا ضمن اطار الفقرة الثالثة من المادة 579 المذكورة وبأن المصارف غير ملزمة الا برد الوديعة لاصحابها وهي لا تقبل مفهوم التعدي، وبأن التعدي المدلى به غير واضح ومنازع فيه جدياً اذ يقتضي في الحالة الراهنة التأكد من التقيد بالعقود الموقعة بين المدعي وبينه وتفسير بنودها وشروطها وتحديد الموجبات الناشئة عنها والوقوف على نية الفريقين فيها، الامر الذي ينطوي على تصد واضح لاصل الحق ومنازعة جدية في التعدي المدلى به تجعل الدعوى مردودة لهذه العلة، وبأنه لا مبرر لتسديد التزامات المدعي نقداً او بالدولار.

عثمان يُطالب بتمديد مهلة تجهيز مراكز التحقيق من شهرين إلى عامين (مروان بوحيدر)

 

 

أكثر من 25 يوماً مضت على نشر القانون الرقم 191 الرامي إلى تعزيز الضمانات الأساسيّة للموقوف وتفعيل حقوق الدّفاع (الحدّ من التعذيب)، في الجريدة الرسميّة. وبرغم ذلك، تكاد أن تكون عبارة «يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسميّة» المُذيّلة في ختامه، حبراً على ورق. كلّ الوقائع تشي بعدم جديّة الأجهزة الأمنيّة والقضاة في التعامل مع القانون الذي أصبح نافذاً فور نشره، ولو أنّ المسؤولين في سائر الأجهزة الأمنيّة يؤكّدون أنّ عناصرهم يتقيّدون به، وكذلك يفعل القضاة

 

في 26 تشرين الأوّل 2017، دخل قانون معاقبة مرتكبي جرائم التعذيب، حيّز التنفيذ. احتفل المتابعون بهذا الإنجاز، لكن بقي الموقوفون يتعرّضون للضغط والتعذيب من دون إيجاد طريقةٍ قانونيةٍ لمحاسبة العناصر الأمنيّة، بحسب القانون النافذ.

هكذا، نام القانون 65/2017 في أدراج المعنيين ولم يُطبّق إلا في قلّة قليلة من القضايا وبعد ضغوط دولية ومحلية، كقضية حسان الضيقة والممثل المسرحي زياد عيتاني. استطاع الاثنان الادعاء من دون أن تصل الدعويان إلى محاسبة الفاعلين.
إذاً، تبدو خشية المتابعين مفهومة بأن يلقى القانون 191 (تعزيز ضمانات الموقوفين بما يؤدّي إلى الحدّ من القدرة على التعذيب) مصير قانون معاقبة مرتكبي جرائم التعذيب.
موقف القضاة من القانون الجديد ليس مبشّراً، إذ تحوّلت معركتهم ضد تعديل أحكام المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى «معركة شخصيّة»، بعد فشلهم في الضغط على رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، للطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري. وبالتالي، يحاول بعض النواب العامين التغاضي عن تطبيقه وكأنّ شيئاً لم يكن، مراهنين على إمكانيّة تعديل القانون في المجلس النيابي، وتحديداً البند المتعلّق بتعرّض قضاة النيابة العامة للحبس أو الغرامة، في حال عدم مراعاة الضمانات الأساسيّة للموقوفين. كذلك يحتجّ قضاة كثر، بوضوح، على بنود تعزيز ضمانات الموقوف، كعدم استجوابه من دون وجود محامٍ، ووجوب تسجيل التحقيق بالصوت والصورة.

قضاة متمرّدون


«ماشية والرب راعيها»... هي المقولة التي تنطبق على القانون الذي يُنفّذه القضاة باستنسابيّة. إذ يوضح بعض النواب العامين أنّهم «ليسوا في وارد خرق القانون، بل هم يتلقّون اتصالات من بعض المحامين ويعملون على تسهيل دخولهم إلى مراكز التحقيق». فيما يلفت آخرون إلى أنّهم لن ينفّذوه مهما تطلّب الأمر. الأمثلة على هؤلاء كثيرة، ومنهم إحدى القاضيات التي تُشير أمام المقربين منها إلى أنّ البدء بتنفيذ القانون يعني أن تُطلق رصاصة على رأسها، معتبرةً أنّ البعض ينوي محاسبتها عبر أحكام القانون 191.
يرى البعض أن الحلقة المفقودة تكمن في عدم صدور مذكرة لتعميمها على القضاة لإبلاغهم بضرورة تطبيق القانون. وزيرة العدل ترى أن هذا الأمر ليس من اختصاصها. فيما المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات يشدّد لسائليه على أن «لا مشكلة لدى القضاة في تطبيق القانون 191، بغض النظر عن موقفهم منه».
ويلفت البعض إلى أنّه يُمكن التغاضي عن إصدار المذكّرة، على اعتبار أن القانون ليس جديداً بل هو تعديل أحكام مادة وحيدة من قانون موجود سابقاً.

... والأجهزة الأمنيّة تخرق القانون


وإذا كان التزام القضاة بتطبيق القانون استنسابياً، فإنّ موقف الأجهزة الأمنيّة ليس بأفضل حال. هؤلاء يقولون شيئاً ويفعلون عكسه. إذ يشدّد المسؤولون في الجيش على «تقيّد عناصرهم بالقانون»، وكذلك تفعل المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي التي تذهب إلى أبعد من ذلك بالإشارة إلى أنّ اللواء عماد عثمان أصدر منذ أيّام مذكرة يدعو فيها رتباء التحقيق إلى تطبيق القانون تحت طائلة المسؤوليّة.
في المقابل، يشير العديد من رتباء التحقيق في أكثر من منطقة إلى عدم تلقيهم أي مذكّرة في هذا الشأن، فيما يوضح آخرون أنّهم تلقّوا أوامر شفهيّة من الضبّاط المسؤولين عنهم بعدم استجواب الموقوفين في حال غياب المحامي.
ويتردّد أنّ عثمان طالب المسؤولين السياسيين بتمديد فترة الشهرين المُعطاة للأجهزة الأمنيّة لتجهيز مراكز التحقيق التابعة لها بالكاميرات، إلى سنتين بعد رصد المبلغ المطلوب والذي يتعدّى المليون دولار.

عويدات: لا مشكلة لدى القضاة في تطبيق القانون 191 بغضّ النظر عن موقفهم منه


كلّ ذلك يؤكّد أنّ الوعود بتنفيذ القانون هي بالفعل كلام في الهواء، طالما أن لا ضمانة في تنفيذ القانون ومحاسبة المخالفين.
الدّليل على ذلك هو منع عدد من المحامين من الدخول إلى المراكز الأمنيّة خلال الأسبوع الماضي. نهاد سلمى هو أحد هؤلاء المحامين. منذ أسبوع، تلقّى سلمى اتصالاً من ذوي أحد الموقوفين ليتوجّه مباشرةً إلى أحد مخافر طرابلس، لكن لم يُسمح له بحضور التحقيق الأولي مع موكّله. شجارٌ حصل في المخفر عندما أصرّ سلمى على وجود قانون نافذ يسمح له بالدخول، إلا أن عناصر الأمن منعوه بعد التواصل مع رئيس المخفر، متذرّعين بعدم صدور أي مذكرة بهذا الشأن.
يتابع نقيبا المحامين في بيروت والشمال الشكاوى الواردة من المحامين. ولذلك، سيتصل النقيب ملحم خلف بالمدّعي العام التمييزي لمطالبته بإصدار مذكّرة تدعو النوّاب العامين الى التقيّد بتنفيذ القانون. ويلفت خلف إلى أنه تلقى مراجعتين من محاميين مُنعا من دخول مراكز التحقيق الأسبوع الفائت، وسارع إلى الاتصال بالمعنيين لتذليل العقبات.

مُنع عدد من المحامين من حضور جلسات التحقيقات الأوّلية


وفي الشمال أيضاً، كلّف النقيب محمّد المراد لجنة السجون بمتابعة الخروق الحاصلة منذ تاريخ نفاذ القانون. ويشدّد مقرّر اللجنة المحامي محمد صبلوح على أنّ «القانون لا يُطبّق بحسب متابعتنا»، معلناً أنّه بصدد تحضير كتب رسميّة إلى الأجهزة الأمنيّة لسؤالها عن تنفيذ القانون والاستفسار منها عن مبرراتها في عدم تطبيقه.
لكن لن يقف المحامون بالتعاون مع النقابتين مكتوفي الأيدي أمام إصرار الأجهزة الأمنيّة والقضاء على التغاضي عن تنفيذ القانون، بل سيعمدون إلى تقديم الدعاوى بحق الفاعلين، بالإضافة إلى إبطال التحقيقات الأوليّة التي لم تُراعَ فيها الأصول منذ نشر القانون في الجريدة الرسميّة، وفق صبلوح.



المحامون أونلاين 24/24

تضع نقابتا المحامين في بيروت والشمال اللمسات الأخيرة على تطبيق إلكتروني سيُعلن عنه قبل نهاية الشهر الحالي. يضم التطبيق الذي سيتم وصله بمراكز التحقيق، أسماء العشرات من المحامين المُتدرّجين الذين يتوزّعون في كل المناطق اللبنانيّة ومتاحين للطلب منهم حضور جلسات التحقيقات الأوليّة مجاناً، مع الموقوفين المُتعسّرين ماديّاً.
تقوم فكرة التطبيق عملياً على إرسال إشعار إلى أقرب محامٍ مُدرج اسمه في اللائحة. وفي حال عدم الرد خلال 5 دقائق، يتحوّل الإشعار إلى محامٍ آخر... ويتضمّن التطبيق جرس متابعة للتحقّق من مواعيد دخول المحامين وخروجهم.
يؤكّد نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف وجود هيكليّة إداريّة للتأكّد من مهنيّة المحامين المتدرجين الذين لا يتحرّكون إلا مع المُدرّج الأساسي، بالإضافة إلى مسؤول أعلى عن الاثنين يراقب سير العمل من خلال التطبيق، مشيراً إلى أنّ مجانيّة هذه الخدمة لن تؤثّر على فعاليّتها، إذ إنّ «رسالة المحامي مرتبطة بالقيم، كما أنّنا سنعمل على بلورة هذه الفكرة مستقبلاً لتطويرها بما يُناسب الواقع».
وبانتظار الإعلان عن التطبيق، وضعت النقابتان خطوطاً ساخنة لتلبية طلبات الموقوفين غير القادرين مادياً على توكيل محامٍ.

مجزرة المرفأ

 

بعد شهرين ونصف الشهر من متابعة التحقيقات في مجزرة مرفأ بيروت، تتثبّت نقابة المحامين في بيروت من صحّة المخاوف التي كانت أعلنت عنها سابقاً “المفكرة القانونية” انطلاقاً من المؤشرات السلبية التي طغت على التحقيقات منذ بدايتها والتي تحوّلت تدريجيا إلى أدلّة قاطعة على سوء مسار التحقيق. 

وكانت المفكرة قد حذّرت بشكل خاص من أن إحالة القضية إلى محكمة استثنائية هي المجلس العدلي كانت خطأ استراتيجياً سيجرّنا إلى حصر التّحقيق في شخص محقّق عدلي معين بقرار سياسي ولا تقبل قراراته أي مراجعة، والأهمّ إلى محاكمة لا يتوفّر فيها شرط العدالة. كما حذّرت من تعارض المصالح لدى النائب العام التمييزي، القاضي غسان عويدات والمتمثلة بتوليه التحقيق بالعنبر رقم 12 في المرفأ قبل وقوع الانفجار وبارتباطه بعلاقة مصاهرة مع أحد المشتبه فيهم من وزراء الأشغال العامة السابقين. 

وعلى أثر بيانين لمكتب الادعاء في نقابة المحامين في بيروت بتاريخ 7 و14 تشرين الثاني 2020 والذي صارح فيهما اللبنانيين بوجود “تحديات كبيرة” و”عوائق كثيرة” في هذه القضية، تدعو “المفكرة القانونية” إلى الاستماع جيدا إلى ناقوس الخطر الذي دقّته نقابة محامي بيروت والتآزر والتعاضد لإنجاز الأمور الآتية: 

  1. الإلتزام الكلّي بتنبيه الرأي العام بشأن مخاطر استمرار التحقيق العدلي وفق الأصول الحالية ومن الأشخاص القيمين عليه بالنظر إلى تعارض هذه الأصول مع معايير المحاكمة العادلة، وإلى ضرورة ارتقاء الخطاب العامّ الحقوقي والاجتماعي إلى مستوى أعلى من الوعي والمسؤولية.
  2. السعي إلى ضمان شروط المحاكمة العادلة من خلال إتخاذ الخطوات التالية:
    1. رفع يد المحقق العدلي القاضي فادي صوّان عن التحقيق فوراً استناداً الى الارتياب المشروع الذي أفصحت عنه نقابة محامي بيروت، ولا سيما لجهة حصر لتحقيق في فرضية الإهمال وقصوره في التحقيق مع الوزراء والمسؤولين كمشتبه فيهم بفعل تمسّكه بالحصانات الوزارية خلافاً لقرارات صريحة وواضحة من محكمة التمييز، 
    2. تغيير النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات فوراً استناداً الى تضارب المصالح لديه في أكبر الجرائم الحاصلة في لبنان، وبخاصة بعد رفض محكمة التمييز مرتين رده من مهامه كمدعي عام عدلي رغم وجاهة الدعوى التي تقدمت بها مجموعة “متحدون”.
    3. إعادة الدعوى إلى القضاء العادي، وإلا إقرار قانون لتعديل أصول المحاكمات لدى المجلس العدلي فوراً على نحو ينسجم مع مبادئ المحاكمة العادلة، لا سيما لجهة إمكانية استئناف قرارات المحقق والمجلس العدليين. 
    4. إقرار اقتراح قانون استقلال القضاء العدلي وشفافيته الذي أعدّته المفكرة القانونية فوراً ومن دون تأخير، وذلك ضمانا لمصداقية التنظيم القضائي وشفافيته، مع رفضنا الكلي لأي تحوير لمضمونه يضعه في تعارض مع أي من معايير استقلال القضاء الأساسية والمكرسة دولياً.
  3. وأخيرا والأهم، السعي إلى دعم ضحايا الانفجار وعائلاتهم وتحفيزهم على مأسسة جهودهم وتكوين قوة ضاغطة لتحقيق مطلبي الحقيقة والعدالة، لما في ذلك من أهمية في مواجهة التطييف والتسييس وضمان استمرارية جهودها. 

في الختام، نؤكد أن تحقيق هذه المطالب يحتاج إلى إرادة سياسية وتاليا إلى ظرف سياسي أكثر مما يحتاج الى وقت أو موارد مالية، وأن ضرورات جلاء الحقيقة تفرض اتخاذ خطوات فورية قابلة للتحقيق الفوري. لذا، ندعو جميع المعنيين من مختلف أطياف المجتمع إلى الضغط باتجاه إقرار هذه المطالب. فالسكوت عن تحوير التحقيق سيؤدّي الى ضياع الحقيقة والعدالة في أكبر جريمة بتاريخ لبنان الحديث، وهو أمر لا يحتمل.

مبنى تاتش في وسط بيروت التحاري

 

بتاريخ 4 تشرين الثاني، قدّم وسيم منصور إلى النيابة العامة المالية كتابا كشف فيه عن الفساد الحاصل في إدارة إحدى شركتي الخليوي (تاتش) وخصوصا لجهة صفقتي إيجار وشراء مبنى تاتش الحالي في وسط بيروت. الكشف حصل عن طريق إعلام النيابة العامة المالية بالدعوى الجزائية التي تقدم بها أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت، وذلك ضد وزيريْ اتصالات سابقيْن باستغلال السلطة وصرف النفوذ والرشوة وتبييض الأموال، وذلك بصفته مساهما في شركة الخليوي ميك 2 المعروفة باسم تاتش. وطلب منصور بالنتيجة تدوين اتخاذه صفة كاشف الفساد تمهيدا لاتخاذ تدابير حماية له عند الاقتضاء، وأيضا لإخضاع من يتعرّض له لعقوبة التعرّض لكاشف فساد. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قانون “حماية كاشفي الفساد”رقم 83 الصادر بتاريخ 10/10/2018 قد عرّف كاشف الفساد بأنه أيّ شخص طبيعي أو معنوي يدلي بمعلومات يعتقد بأنها تتعلق بالفساد بمعزل عن الصفة والمصلحة. وقد فرض القانون بموجب المادة التاسعة منه، أن يستفيد الكاشف من الحماية عند تقدمه بطلب إلى السلطات المختصة. كما وضع عقوبات على من يتعرّض له. وفيما اشترط قانون 83/2018 أن يحصل كشف الفساد من خلال الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، تم إقرار قانون جديد رقم 182/2020 بتعديله في اتجاه توسيع الأبواب المتاحة لكشف الفساد لتشمل امكانية التوجّه إلى النيابة العامة مباشرة. وعدا عن أهمية هذا التعديل، فإنه شكل عند إقراره وما يزال ضرورة لنفاذ القانون طالما أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ما تزال غير منشأة. 

بذلك، يكون منصور أول من استخدم هذه الآلية، والتي يؤمل أن يسهم لجوؤه إليها إلى تحفيز العديد من حفظة الأسرار على الكشف عما يعرفون، انتصارا لحقوق الشعب ضد كل من أسهم في إفقاره.

محمد البسيوني المعروف بـ"الجوكر"

 

حين اعتقل محمد البسيوني المعروف بـ”الجوكر” في صيدا يوم عيد الاستقلال في 2019، كانت تلك آخر مشاركة له في التظاهرات التي انطلقت في 17 تشرين الأول الفائت. فيومها تعرّض محمد للضّرب المبرح والاعتقال على أيدي مدنيين وعسكريين في ساحة إيليّا، فقرر التوقّف عن التظاهر والتفكير في الهجرة. ومؤخّراً فوجئ محمد باستدعائه للمثول أمام المحكمة العسكريّة في بيروت بالتّهمة التي تطال عشرات المتظاهرين وهي “معاملة قوى الأمن بالشدّة” ليخرج منها بحكم براءة.

بالإضافة إلى محمد البسيوني، مثل عشرات المدنيين أمام المحكمة العسكرية في 13 تشرين الثاني 2020 على خلفية مشاركتهم في التظاهرات في نهاية العام 2019، وتوّلى محامون من “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” الدفاع عنهم. وقد أعلنت المحكمة براءة الجميع باستثناء واحد هو جاد الريّس، الذي تم تغريمه. ولا تظهر هذه المحاكمات فقط خلوّ الملفّات ضد المتظاهرين من أدلّة كافية على اعتدائهم على القوى الأمنية خلال التظاهرات، بل أيضاً تحدّيات ضمان المحاكمة العادلة أمام المحكمة العسكرية في ظل عدم تعليلها للأحكام التي تصدرها وضعف دفاع المحامين العسكريين الذي حمل رئاسة المحكمة على محاولة التصدّي له.

محمد البسيوني يطلب الأمان من المحكمة ويروي الاعتداء عليه

بعض من الأمل عاد إلى محمد بإعلان براءته، هو الذي كان يحلم بأن يكون جزءاً من التغيير الذي آمن به كثر من اللبنانيين خلال انتفاضة 17 تشرين الأول. يقول لـ”المفكرة القانونية”: “شعرت براحة بوجود محامين معي في المحكمة، لولاهم لا أدري كيف كان الوضع في الجلسة”. ويعود اليوم ليتنفّس بعدما عاش لأيّام يتساءل بقلق: “كيف يدّعون عليّ بعد كلّ العنف الذي تعرّضت له؟”.

محمد، مصمّم غرافيكي كان يذهب بشكل شبه يومي إلى ساحة إيليّا في صيدا واكتسب شهرته بسبب شخصيّة الجوكر التي تبنّاها. اعتقل محمد أثناء مشاركته في تظاهرة عيد الاستقلال الشعبي: “أردت أن أشارك بطريقة مبتكرة، رسمت على وجهي الجوكر يوم عيد الاستقلال، واستعنت بواحدة من صفاته، وهي التمرّد، ولكنّي رفضت أن أكون داعياً للعنف كما هي شخصيته في الفيلم”. لذلك، حمل محمد يافطة فيها موقف صريح ممن يراهم مسؤولين عن تدهور أوضاع البلاد. كتب عليها عبارة “الديناصورات انقرضوا، الفنيقيين خلصو، الفرنسيين هربو، إنتو ليش بعدكن!! حلّو عنّا! الناس تعبت”، وأضاف إليها عبارة “كلّن يعني كلّن” كتبها على صور الرؤساء الثلاثة (عون وبري والحريري)، محاولاً إيصال رسالة سلميّة يوضح فيها موقفه من السلطة الحاكمة.

لم يمرّ ذلك اليوم على محمد كأيّ يوم آخر من أيّام الانتفاضة، حسبما روى الشاب أمام رئيس المحكمة العسكريّة القاضي منير شحادة. وقبل أن يبدأ استجوابه من قبل المحكمة، سأل: “هل أنا بأمان هنا لكي أروي ما حصل معي؟” فطمأنه العميد أنّ بإمكانه التحدّث بحرية. فتابع الشاب قائلاً: “فيما كنت واقفاً في ساحة إيليا، تقدّم نحوي ثلاثة مدنيين، طلبوا منّي إنزال اليافطة فرفضت، فانهالوا عليّ بالضرب المبرح”. ولفت محمد الذي أكّد احترامه للجيش والقوى الأمنيّة، إلى أنّه على غرار معظم المتظاهرين في صيدا كان يلتزم بتعليماتهما بدون خوض أيّة مواجهات معهما بخاصّة عناصر الجيش اللبناني. وخلال تعرّضه للضرب تقدم نحوه عناصر من مخابرات الجيش: “شعرت حينها ببعض الأمان، وقلت في نفسي أنّهم أتوا لينقذوني”. لكن ما حصل عند وصولهم كان عكس توقّعاته، فبدلاً من إنقاذه من الضرب على أيدي المدنيين، قال إنّهم: “أكملوا عليّ بالضرب المبرح، وسلّموني للجيش، وقام عناصر من الجيش بوضع يديهم على عنقي ومحاولة خنقي حتى ما عدت قادراً على التنفّس. وبعدها وضعوني في سيارة عسكريّة ونقلوني إلى ثكنة زغيب، وطيلة الوقت في السيارة كانت الركلات والضربات والإهانات تأتي من كل الجهات، يا إيدين يا إجرين”.

بعد كلّ هذا العنف الذي تلقّاه “الجوكر” من المدنيين الثلاث والعناصر التابعين للجيش اللبناني، أُخضع للتحقيق لدى الشرطة العسكرية وهو قليل الحيلة غير قادر على التركيز، “أجبت على كل الأسئلة بالإيجاب، وحين سألوني إن كنت تعرّضت للضرب من قبل الجيش أجبت بالنفي”. هكذا شرح محمد لرئيس المحكمة كيف أنّ الضرب المبرح والتهديد والخوف الذي تملّكه يومها جعله غير قادر على النطق بحقيقة ما تعرّض له. ولاحقاً نُقل إلى مخفر صيدا حيث حضر المحامي وتم إطلاق سراحه.

المستغرب في محضر توقيف محمد تضمينه أنّ الشاب أوقف لأنّه “أقدم على التجوّل في منطقة دوّار إيليّا في صيدا دون أوراق ثبوتيّة وافتعال الشغب”. ويبدو أنّ النيابّة العامّة لم تجد تبريراً منطقياً للادّعاء عليه، فلجأت إلى اتّهامه بتحقير الإدارات العامّة بسبب اليافطة التي كان يحملها إضافة إلى معاملته قوى الأمن بالشدّة مع العلم أنّه لحظة خروجه من ثكنة زغيب بعد احتجازه خمس ساعات، كانت آثار الضّرب واضحة عليه. ونفى محمد أمام المحكمة أن يكون تعرّض لعناصر الجيش بالشدّة أو افتعل أيّ إشكال كونه كان قد سقط أرضاً لدى وصول عناصر الجيش مشدّداً على تعرّضه للضرب المبرح من قبل العناصر، وبرّر عدم حيازته هويته بأنّ دوّار إيليا قريب من منزله، وهو كان يتواجد بشكل شبه يومي في التحرّكات الشعبيّة.

وكانت المحامية لمى الأمين من “لجنة الدفاع” قد استهّلت الجلسة بالطلب من المحكمة عدم استجواب محمد البسيوني بشأن تحقير الإدارات العامّة كونه جرم يخرج عن اختصاص القضاء العسكري. وخلال المرافعة، أكّدت الأمين أنّ “محمد تعرّض للضّرب على أيدي مدنيين وعناصر أمنيّة، وأنّه من المستحيل أن يكون قد أقدم على ضرب أحد منهم، وإن كان قد بدر عنه أيّة ردة فعل فإنّها لا تعدو كونها دفاعاً عن النفس”. وشدّدت على أنّ “الإفادة التي أُخذت منه خلال التحقيق، باطلة، كون أقواله انتزعت منه بعد الضّرب والتهديد الذي تعرّض له”، طالبة إبطال التعقّبات بحقه لعدم وجود أيّ جرم.

اليوم، يتنفّس الشاب الصعداء بعد إعلان براءته، بعدما أزيح عن كاهله قلق الأيام التي سبقت الجلسة، فآخر شيء كان يتمنّاه هو أن يصدر بحقّه حكم عسكري يهدّد مستقبله.

أحكام براءة للمتظاهرين بدافع عدم كفاية الدليل

كالعادة لا تعلّل المحكمة العسكريّة أحكامها رغم أنّ ذلك من شروط المحاكمة العادلة، فلا يمكن معرفة أسباب حكمها بالإدانة أو بالبراءة. إنّما يُمكن القول إنّ عدم كفاية الدليل ضدّ المتظاهرين المتّهمين بمعاملة قوى الأمن بالشدّة هو الدافع لتبرئتهم. فأحد الشبّان من آل عيسى المتّهم برشق قوى الأمن بالحجارة خرج من المحكمة ببراءة، ومعه خمسة شبّان لا دخل لهم في هذه القضيّة سوى أنّه ذكر أسماءهم خلال التحقيق معه بعد أن قال إنّه توجّه معهم بالباص من الضنيّة للمشاركة في تظاهرة في بيروت.

عاد عيسى خلال استجوابه إلى يوم اعتقاله بتاريخ 14/12/2020 في وسط بيروت حيث أشار أمام المحكمة إلى أنّه علم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنّ مجموعات حزبيّة اعتقلت واعتدت بالضرب على صديقه وتبيّن لاحقاً أنهم من شرطة مجلس النوّاب. وقال: “توجّهت بالباص من الشمال إلى بيروت ومعي 5 من رفاقي للاعتراض على ما حصل مع صديقي، وأمام مدخل مجلس النواب قام بعض العناصر الأمنيّة بالاعتداء على صبي بالضرب وإلقائه أرضاً، فساعدته على الوقوف ثمّ رشقت حجراً نحوهم من مسافة بعيدة بدون أن أصيبهم”. أمّا الشبّان الآخرون الحاضرون في الجلسة، فكان ذنبهم أنّ صديقهم أورد أسماءهم خلال التحقيق كونهم كانوا معه في الباص. لذلك طلب المحامي أيمن رعد من “لجنة الدفاع” إبطال التعقّبات بحقهم لعدم وجود أيّ جرم.

وترافعت المحاميّة غيدة فرنجيّة من “المفكرة” و”لجنة الدفاع” عن عيسى حيث شددّت على ضرورة تفسير دوافع الشاب ليُشارك في التظاهرة، إذ قالت: “الشاب غضب بعدما تمّ الاعتداء على صديقه من قبل عناصر شرطة مجلس النواب، وهذا ما دفعه للنزول إلى بيروت للمشاركة في التظاهرة”. فقاطعها العميد بأنّ هذا الأمر لا علاقة له بالقضية، لكنّها تابعت مشدّدة على أنّه تمّ توثيق أكثر من 50 إصابة في صفوف المتظاهرين في ذلك اليوم في حين أنّ ملف عيسى يخلو من أي إثبات على وقوع إصابات في صفوف قوى الأمن. وأضافت: “القوى الأمنيّة لم تصدر أيّ بيان في هذا اليوم تُشير فيه إلى وقوع إصابات في صفوفها خلافاً لتظاهرات أخرى، ما ينفي أن يكون عيسى قد تعرّض للقوى الأمنيّة”. وطلبت من المحكمة أن تعتمد تفسيراً محصوراً لمفهوم “المعاملة بالشدّة” كون “الحجر الذي رشقه عيسى لم يُصب أحداً”، وأنّه جاء كردّة فعله الغاضبة على تعرّض صديقه وغيره من المتظاهرين لاعتداءات العناصر الأمنيين الذين لم تتم ملاحقتهم بسبب ذلك. وتمسّكت فرنجيّة بضرورة إعلان براءة الشاب، محذرة من الأضرار الاقتصادية التي قد تقع في ظلّ الانهيار الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة، لافتةً إلى أنّه “حين يتضمّن سجّله العدلي حكماً بمعاملة قوى الأمن بالشدّة، لن يتمكّن من إيجاد وظيفة”. وردّ رئيس المحكمة العميد منير شحادة على مرافعة فرنجيّة، مؤكّداً أنّ “كل شخص يحصل على جزائه في المحكمة العسكريّة، البريء بريء والمرتكب يُدان”. وبعد انتهاء الجلسات خرج الشبّان من المحكمة العسكريّة بحكم براءة.

في المقابل، لم يحظَ الشاب جاد الريّس بالنتيجة ذاتها. فالرّيس الذي حضر أمام المحكمة بتهمة معاملة قوى الأمن بالشدّة وتحقير العناصر الأمنيّة، روى لرئاسة المحكمة ما حصل معه يوم 9 كانون الأول 2019 حين تمّ اعتقاله لحظة وصوله إلى التظاهرة على جسر الرينغ. يقول: “وصلت إلى المنطقة وكنت أصوّر الأحداث، كنت أسير نحو القوى الأمنيّة، وعندما وصلت إليهم، قام أحد العناصر الأمنيّة بدفعي، وحين سألته عن السبب، تم اعتقالي مباشرة”.

واغتنم العميد شحادة الفرصة مرّة جديدة ليُعيد ويكرر وجهة نظره لناحية طريقة فضّ التظاهرات من قبل القوى الأمنيّة. “أمضي معظم حياتي في مجال الأمن، وأعلم أنّه حين تأتي الأوامر بفتح الطريق، على العنصر الأمني أن ينفّذ، وحينها لا يكون لديه وقت للتمييز بين المتظاهرين السلميين وغيرهم”. ويتابع مبرراً اعتقال الريّس حال وصوله إلى التظاهرة: “العنصر لا يُميّز أنّ هذا الشخص وصل حديثاً أو لا”. وطلب المحامي أيمن رعد من المحكمة إبطال التعقّبات بحقّه لعدم وجود أيّ جرم. إلّا أنّ المحكمة أصدرت مساءً حكماً قضى بتغريم الريّس 200 ألف ليرة بدون أن توضح أسباب الحكم. وهذا الأمر يؤكّد أهمية وضرورة تعليل الأحكام لضمان شروط المحاكمة العادلة وصدور أحكام عادلة.

المحامون العسكريون: أيّ ضمانات لحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة؟

ينصّ القانون على وجوب أن يتمثّل المدّعى عليهم أمام المحكمة العسكرية بمحامٍ، وقد جرت العادة بتكليف “محام عسكري” للقيام بهذه المهمّة في حال لم يختر المدّعى عليه محامياً. وغالباً ما يكتفي هؤلاء خلال الجلسات بطلب الأسباب التخفيفية للمكلّفين بالدفاع عنهم إذ في معظم الحالات لا يكون ثمّة معرفة سابقة بينهم وبين المدّعى عليهم ولم يطّلعوا على الملفّات مسبقاً. وقد ظهرت شوائب هذا النظام الذي يفرّغ حق الدفاع من مضمونه خلال جلسة 13 تشرين الثاني 2020 حيث كان للمحكمة العسكرية موقف بارز في هذا المجال.

بدأ الأمر في إحدى الجلسات الخاصّة بشاب متّهم بمحاولة دفع رشوة لعنصر أمني أثناء تسطير محضر ضبط لدرّاجته الناريّة حيث أكدّ الشاب أنّه كان يُحاول ثني العنصر عن تسطير المحضر لأنّ لديه ضبطاً سابقاً. فبعد استجواب الشاب من قبل المحكمة، طلب المحامي العسكري طرح أسئلة عليه، فسأله عمّا إذا كان قادراً على إثبات وجود محضر ضبط سابق ومشكّكاً في صحّة أقواله. هنا قاطعه العميد شحادة طالباً منه أن يؤدّي دور محامي الدّفاع وليس المحقّق، لكنّ المحامي أصرّ على تكرار سؤاله فطلب منه العميد أن يتنحّى منتقداً إيّاه قائلاً: “أنت تسعى لتوريطه وليس الدفاع عنه، وعلينا أن نضمن المحاكمة العادلة”. وتمّ تكليف محام عسكري آخر بمتابعة الجلسة.

تكرّر سوء دفاع المحامين العسكريين خلال جلسة محاكمة اثني عشر شاباً بينهم قاصر تمّ اعتقالهم خلال مسيرة سيّارة في منطقة جل الديب في 12 تشرين الثاني 2019. ومنهم من كانوا مشاركين وآخرون صودف تواجدهم في الطريق خلال المسيرة وآخرون في مناطق أبعد. لم يتّضح خلال الجلسة كيف وصل بهم الحال ليكونوا في ملف واحد، إلّا أنّ وجودهم في المحكمة كان ملفتاً. مثُل الشبّان أمام المحكمة بتهمة “معاملة قوى الأمن بالشدّة وتحقير العناصر الأمنيّة”، ولم يكن لديهم محام، فتمّ الاستعانة بالمحامي العسكري المتواجد في الجلسة. وأشار معظمهم خلال استجوابهم إلى أنّ عناصر الجيش قاموا بإخراجهم من سياراتهم بالقوّة في ما يشبه الفيلم البوليسي واعتدوا عليهم، وقال آخرون إنّهم كانوا متواجدين على الرصيف يتفرّجون على السيارات التي تغلق الطريق، فتمّ اعتقالهم بدون مبرر.

ورغم ما برز في الاستجواب من غياب لأيّ جرم أو أدلّة على ارتكابه، لم تبدِ ممثلة النيابة العامّة العسكرية القاضيّة مايا كنعان أيّة ملاحظات إزاء هذا الاستجواب، وهذا ما فعلته في كافة الجلسات المتبقيّة على خلاف غيرها من ممثلي النيابة العامّة الّذين كانوا يبدون تفاعلاً مع الملفات الحاضرة، بخاصّة تلك المتعلّقة بتظاهرات انتفاضة 17 تشرين، من خلال طلب البراءة في حال عدم وجود أيّ أدلّة في الملف (القاضي الحجّار) أو من خلال تغيير الوصف الجرمي من المعاملة بالشدّة إلى المقاومة السلبية للعناصر الأمنية (القاضي الشرتوني). والمستغرب أنّ المحامي العسكري اكتفى بالطلب من المحكمة “منحهم أوسع الأسباب التخفيفيّة”. وفي حين طلب معظم الشبّان الشفقة والرّحمة من المحكمة، بادر أحدهم إلى طلب البراءة، فعلّق العميد شحادة “برافو عليك!” وشكّل سلوك المحامين العسكريين محلّ انتقاد من بعض المحامين، بخاصّة من “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” الحاضرين في المحكمة، حيث توّجهت المحامية هلا حمزة بملاحظة لرئاسة المحكمة طالبة أن يُمارس المحامي العسكري دوره بطلب البراءة للمدّعى عليهم بخاصّة في الحالات التي لا يظهر فيها أيّ دليل على ارتكاب المدّعى عليهم لأيّ جرم. وجاء جواب العميد أنّ القرار يعود في النهاية إلى المحكمة التي انتهت على إثرها بإعلان براءة جميع الشبّان.

ملفّات إطلاق النار في الهواء تطغى على الجلسات

إضافة إلى الملفّات العديدة التي حضرت أمام المحكمة العسكريّة وتضمّنت ادّعاءات ضدّ متظاهرين وغيرهم من المدنيين بتهم معاملة عناصر أمنية بالشدّة، امتلأت قاعة المحكمة العسكرية بعشرات الأشخاص المتّهمين بإطلاق النار بشكل عشوائي خلال الأعراس ابتهاجاً أو خلال إشكالات عائليّة معرضّين حياة الناس للخطر، منهم عسكريون يتمتّعون بامتياز حيازة الأسلحة ومواطنون يحملون أسلحة منها مرخصّة وأخرى بلا ترخيص. توقع هذه العادة المنتشرة في المجتمع اللبناني العديد من الضحايا الذين وصل عددهم إلى 27 قتيلاً و174 جريحاً بين 2017 و2020 وفقاً لأرقام قوى الأمن الداخلي. وتهدف محاكمة مطلقي النار إلى حماية المجتمع من خطورة هذه الممارسات بعد أن قام مجلس النوّاب بتشديد عقوبتها في العام 2016.

وكان ملفتاً الادّعاء على شخص استخدم سلاح الصيد ليطلق النار على ذئب لأنّه، حسبما يدّعي، هاجم أخته وعضّها. وحين سأله رئيس المحكمة “هل قتلت الذئب؟” أجابه: “طبعاً قتلته”. وفي دعوى أخرى ضد عريس تحمّس ليلة زفافه وأطلق النار في الهواء قبل أن يتوجّه إلى الفندق ويتمّ توقيفه في صباح اليوم التالي، سأله القاضي شحادة عن سبب إطلاق النار فأجابه: “كان مسدّساً صوتياً ليس فيه رصاص”. فقاطعه القاضي شحادة سائلاً: “إذا كان مجرّد صوت، ما اللّذة في إطلاق النار في ليلة زفافك؟”: فأجاب: “لا يوجد لّذة”. فردّ القاضي على العريس الذي أوقف ثلاثة أيّام بعد زفافه: “ما قصّروا فيك”.

  1. Popular
  2. Trending
  3. Comments

Calender

« September 2021 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30