انتهت أمس المهلة المعطاة لمصرف لبنان للإجابة عن أسئلة شركة Alvarez & Marsal تمهيداً لاستكمال التدقيق الجنائي في حسابات المصرف المركزي، تنفيذاً للعقد الموقَّع بينها وبين وزارة المال، والذي ستتقاضى عنه نحو مليوني دولار، في حال استطاعت وضع تقريرها النهائي ضمن المهلة المتفق عليها في العقد. لذا برز تخوف من أن يكون ثمة بند جزائي في العقد يقضي بالتعويض على الشركة في حال لم تكمل عملها لعدم تلقّيها كامل الأجوبة من المصرف المركزي.

ومع انتهاء المهلة لا يزال الجدل حول شرعية العقد محتدماً، إذ يعتبر بعض المشرّعين أن العقد ينتهك القوانين اللبنانية، وخصوصاً قانون النقد والتسليف واستقلالية مصرف لبنان النقدية، بينما أصر آخرون على أنه يتوافق مع القوانين اللبنانية المرعية. وهذا الجدل مرده الى عدم وضوح العقد، الذي أُقِرَّ بسرعة قياسية من دون الالتفات الى الثُغَر والعلل القانونية التي تعوق تطبيقه بشفافية، بما يستدعي السؤال: "لماذا تم توقيعه أصلاً وهو غير قابل للتطبيق؟"، ويشير أيضاً الى ان التهور والارتجال في اتخاذ القرارات هو سيد الموقف، ويتكرر دائماً، بما لا يخدم الهدف منها، على غرار قرار شركة "ماكينزي" إجراء دراسة للنهوض الاقتصادي بكلفة مليون و300 ألف دولار جاءت خلاصة ونسخة طبق الاصل عن آراء مسؤولين وخبراء إقتصاديين، ومقالات صحافية واقتراحات للبنانيين غالبيتها منشورة في وسائل الاعلام، ولم يكلف أحد نفسه سؤال الحكومة عن مصير هذه الدراسة التي يرجح انها آلت الى سلة المهملات.

وفيما تؤكد المعطيات ان أجوبة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ستكون ضمن ما يسمح به قانون النقد والتسليف، وان احدا لا يستطيع اجباره على مخالفة القوانين، ترى وزارة المال خلاف ذلك، لأن العقد الموقع بين الحكومة ممثلة بوزارة المال، وشركة Alvarez & Marsal "لا يتعارض مع السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف، استنادا الى رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل التي رأت أن هذا العقد يتوافق تماما مع القوانين اللبنانية”، وتاليا "يجب على البنك المركزي تقديم جميع المعلومات التي طلبتها ألفاريز ومارسال”.

وعلى رغم أن توقيع العقد مع Alvarez & Marsal هو مع وزارة المال وليس مع مصرف لبنان، إلا انه وفق ما نُقِل، أن الحاكم أظهر حسن نية وكان متجاوباً الى أقصى الحدود الممكنة قانوناً، وأجاب عن نصف الأسئلة التي ارسلتها الشركة (نحو 43%)، والتي لا تتعارض مع قانونَي السرية المصرفية والنقد والتسليف. اما الأسئلة التي تتعارض مع هذين القانونين فإن مصرف لبنان غير ملزم بالاجابة عنها، لأن "هذه المعلومات ذات طبيعة سرية”، وفقاً للقانون. فيما اشيع ان Alvarez & Marsal لا يمكنها القيام بعملها في غياب مثل هذه المعلومات.

ومعلوم ان التدقيق الجنائي هو من الشروط التي وضعتها فرنسا في الورقة الإصلاحية، مشترطة على المسؤولين أن أي مساعدة مالية مستقبلية للبنان ستعتمد على الإصلاحات الاقتصادية والمالية السريعة.

إذاً، ثمة وجهتا نظر قانونيتان في موضوع التدقيق الجنائي الذي تجريه شركة Alvarez & Marsal في حسابات المصرف، تنفيذاً للعقد الموقع بينها وبين وزارة المال. وجهة النظر الاولى وفق ما يوضح رئيس مؤسسة "جوستيسيا” الخبير القانوني الدكتور بول مرقص لـ”النهار” صادرة عن مصرف لبنان وتذهب الى اعتبار أن "المصرف المركزي ملزم بكتمان السر لمصلحة المؤسسات والمصارف والجهات التي يتعامل معها عملاً بأحكام المادة 151 من قانون النقد والتسليف، التي تستند الى قانون سرية المصارف الصادر في 3 أيلول 1956، بما يجيز لمصرف لبنان الامتناع عن تزويد شركة Alvarez & Marsal بالمعلومات والمستندات المطلوبة، خصوصا تلك المشمولة بالسرية المصرفية”. أما الرأي القانوني الآخر، فيستند الى مطالعة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل التي صدرت عشية توقيع العقد مع الشركة، وهو رأي استشاري غير ملزم يستند في مضمونه الى استشارات سابقة لهيئة التشريع والاستشارات. وخلاصة هذا الرأي تفضي الى اعتبار ان "السرية المصرفية لا تنطبق على الحالة التي يزوّد بها المصرف المركزي الحكومة او من تكلّفه التدقيق في حسابات المصرف المركزي”. وتعتبر الاستشارة أن "المركزي” هو مصرف القطاع العام، في حين أن السرية المصرفية تنحصر بزبائن المصارف والامور المتعلقة بهم بحسب المادة الثانية من القانون الصادر عام 1956، وتاليا فإنها لا تشمل ما يتجاوز أسماء الزبائن، اي زبائن المصارف، كما انها لا تشمل المعلومات والمستندات موضوع التدقيق الجنائي. وأكثر فإن الهيئة ترى انه "اذا كان ثمة اسماء للزبائن فإنها تُخفى عن شركة التدقيق وتسلّم المعطيات من دون الكشف عن هذه الاسماء في حال توافرت السرية في حالتهم”.

ورغم أن مرقص كان قد حذَّر سابقاً من الوصول الى هذه المعوقات التي تحول دون استكمال او اجراء التدقيق الجنائي المالي، وتحوّطاً لأي مسؤولية نتيجة افشاء اي معلومات مشمولة بالسرية المصرفية، وتسهيلاً لعمل الشركة واي مهمة اخرى تتناول المؤسسات العامة والصناديق والمجالس والهيئات التي تتعاطى المال العام، يقترح مرقص سن قانون لتسهيل اعمال التدقيق الجنائي المالي بغية تذليل اي عقبة قد تواجهه، ولا سيما منها السرية المصرفية، طالما ان الحكومة تقرر ذلك أصولاً.

ويخلص الى القول إنه "لو كان نطاق المهمة واضحاً وبأهداف واضحة، اي تكليف الشركة أن تبحث عن أفعال وارتكابات او مخالفات محددة، لكانت النتيجة أفضل، وتاليا لم يكن على الشركة ان تتوسع في طلباتها، وستكون المستندات والمعلومات التي ستطلبها واضحة بما يسهل المعالجة. ولكن المهمة كانت واسعة وغير معروفة المرامي، بما أدى الى طلبات كثيرة واستجابة قدر الامكان”.

عملاء مصرف لبنان معروفون: الدولة والمصارف التجارية، وتاليا فإن حاكم مصرف لبنان لا يمانع في تقديم جميع المعلومات في حال تعديل قانون السرية المصرفية أو رفعه. فإذا أبدت الدولة استعدادها لرفع السرية المصرفية عن حساباتها، سيقوم مصرف لبنان بتزويد شركة التدقيق بجميع المعلومات. وفي حال وافقت المصارف على رفع السرية المصرفية عن حساباتها في المصرف المركزي، فإن الاخير سيلتزم طلبات الشركة.

ويدعم سلامة رأيه بأصل العقد المبرم بين Alvarez & Marsal ووزارة المال، والذي ينص على أن التدقيق "يجب أن يتم بموجب القوانين اللبنانية، وهذا يعني أن الشركة لا يمكنها طلب معلومات تنتهك قوانين السرية المصرفية”.

وكانت مجلة "فوربس” نشرت الأسئلة الكاملة المرسلة من Alvarez & Marsal إلى مصرف لبنان والردود، وقسّمت الأسئلة بين تلك المتعلقة بالمراجعة الجنائية، وأخرى تتعلق بالحوكمة والضوابط، والأسئلة المتعلقة بالبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات (هذه الأسئلة تلقت الشركة إجابات عنها من المصرف المركزي). أما بالنسبة الى الأسئلة المتعلقة بما كان يسمى طلب إعداد البنية التحتية، فقد جرت الإشارة إليه بعبارة "غير متوافر”.

 وكأنه كُتب على لبنان أن يعيش المجازر على أنواعها، من أمنية الى تربوية الى إجتماعية الى إقتصادية، ويبقى يُردد من فيه مع "جوقة المرددين": فليُحقق في الموضوع! فهل نُطالب بفتح تحقيق حول ما حصل في مباريات الدخول الى الكليات الطبية في الجامعة اللبنانية من "مجزرة تربوية" أم نضع الملف جانباً ونقول: حصل ذلك سهواً؟ وهل السهو أقل إرتكاباً جرمياً من القصد؟ ألم يضع البعض ما حصل في 4 آب في إطار السهو والإهمال؟

 

يتناقل أساتذة الجامعة اللبنانية ما حصل في مباريات الدخول الى الكليات الطبية بكثير من الذهول. فكل شيء كان متوقعاً في معلم تربوي يطغى عليه كثير من الفساد والمحسوبيات، لكن أن يرسب طلاب بسبب إجابات خاطئة لُقّم بها الحاسوب فهذا أمرٌ أثار الإستغراب والأعصاب. يمكن القول: أخطأ الحاسوب وصححنا الأمر ولكن، لا، لم يُخطئ الحاسوب بل أخطأ من أعطاه إجابات خاطئة ما كاد يُبدّل كثيراً من تفاصيل هذه الكليات الطبية. دعونا لا نتكلم طائفياً ولا نتطرق الى ما تسبب به الخطأ من رسوب المسيحيين الذين تقدموا للإمتحان باللغة الفرنسية ونجاح الشيعة الذين تقدموا للإمتحانات باللغة الإنكليزية. ودعونا لا نتكلم عن الصدفة التي تزامنت مع ما حدث وقضت بتكليف رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور فؤاد أيوب الدكتور يوسف فارس، وهو ينتمي الى الطائفة الشيعية الكريمة، بمهام عمادة كلية العلوم الطبية الى حين تعيين عميد أصيل وفق الأصول مكان عميد الكلية بطرس يارد (وهو ينتمي الى الطائفة المسيحية) الذي تقاعد في 21 تشرين الأول هذا. دعونا نترك الطائفية والمذهبية جانباً ونُبحر أكثر في ما حصل وشكّل صدمة أكبر لكثيرين.

الدكتور عصام خليفة راح يُطالب وبإلحاح، في اليومين الماضيين، بإلغاء نتائج الإمتحانات وإقالة رئيس الجامعة فؤاد أيوب وتعيين مجلس جديد، لكن، ما دامت الإقالات لم تحصل في مجزرة أول ايام آب 2020 الدموية فماذا يُقنعنا أنها قد تحصل في مجزرة آخر أوراق تشرين 2020 التربوية؟

 

 

الطلاب في المجهول



الأستاذة في كلية العلوم الدكتورة وفاء نون لها باع طويل في التعامل مع قضايا الجامعة اللبنانية والإنتفاضة على كل السواد الذي يحوط بهذا الصرح. تنطلق نون في كلامها بالإشارة الى جملة مغالطات أحاطت الموضوع، أولاها الإنطلاق من البعد الطائفي في قضية تربوية، مستطردة بالقول: "الفساد لا لون له ولا دين ولا ربّ".

فلندخل معها في البعد التربوي. وفي التفاصيل "أن إمتحانات الدخول تجرى في كليات الطب من أجل اختيار عدد محدد من الطلاب، من بين آلاف يتقدمون للدخول الى الكليات الطبية، وعادة، نضع نحن الأساتذة الأسئلة في مكان مغلق، على أن نترك هواتفنا خارجاً، ولا نغادر المكان إلا بعد دخول الطلاب الى صفوفهم وانطلاق المباريات. تجرى امتحانات العلوم وفق نظام PCI لكنها أول مرة تُجرى فيها امتحانات الرياضيات وفق هذا البرنامج. وفيه يضع الطلاب علامة على الإجابة الصحيحة، بمعنى أن يجيبوا على السؤال بوضع علامة على خانة "أ" أو "ب" أو "ج". و"السيستام" الذي يملك الإجابات التي يفترض أن تكون صحيحة هو الذي يحدد النتائج. لكن، ما حصل، أن من تعاملوا مع الحاسوب أدخلوا إجابات القسم الإنكليزي على إجابات القسم الفرنسي فحصل خطأ عند إصدار النتائج، فمن أجاب في شكل صحيح اعتبره الحاسوب مخطئاً والعكس صحيح".

 

العميد يوسف فارس



هل تتخيلون أن طلاباً ذرفوا الدموع لرسوبهم عادوا ونجحوا وأن طلاباً ذرفوا الدموع فرحاً لنجاحهم عادوا ورسبوا؟! ثمة أمور لا تحصل إلا هنا!

والعمل؟

ثمة خطأ هائل قد حصل، لا يختلف اثنان عليه. لكن، لماذا حصل هذا الخطأ؟ يحقّ للأساتذة والطلاب والأهالي الحصول على إجابة واضحة. تقول الدكتورة نون: "إن كلية الطب فرنكوفونية واستحدثت الإدارة 20 مقعداً لطلاب الصيدلة قسم إنكليزي". وتستطرد "الخطأ قد يحصل لكن السؤال لماذا حصل، خصوصاً أن حصوله كبدنا غالياً على صعيد المصداقية التي يتحلى بها التعليم في الجامعة اللبنانية لذا يحق لكلِ واحد أن يُشكك بما حصل. في كل حال، إذا أردنا أن نتعامل منطقياً، علينا أن نقول أن الخطأ قد حصل وليس أمامنا إلا أن نقول مبروك للطلاب الناجحين جميعاً. أما التشكيك بشأن طائفية ما حدث فيحتاج الى إثبات. لذا لا يمكنني أن أدرج الموضوع أقله حالياً إلا في خانة الخطأ الكبير، على أن ندقق لاحقاً في الأسماء وانتماء اصحابها وما إذا كانوا حزبيين أم لا".

 

البروفسور فؤاد أيوب



الدكتورة نون تنتمي الى الطائفة الشيعية لكن من يعرفها يعرف أنها تقاتل، منذ زمن، ضد أخطاء كثيرة نُفذت باسم الحركة (أمل) وسواها لكنها لا تملك إثباتاً يؤكد لها، حتى اللحظة، أن الحركة قامت بهذا الخطأ عن قصد. والبارحة، بعد أن حصل ما حصل، لم تنم طوال الليل وظلت تُفكر مرددة "ضربوا المصداقية". لكن، لمصلحة من حصل ذلك؟ تجيب "حصل ما حصل في وقت يكثر فيه الكلام عن خصخصة القطاع العام، وربما حصل ذلك لمصلحة الجامعات الخاصة، وكلنا يعلم أن أمل و"حزب الله" طالما مولوا أقساط الجامعات الخاصة... ثمة من يُضمر شراً بكل ما هو ناجح. ونحن نتغاوى بالتعليم اللبناني الجامعي الرسمي. صحيح أن الجامعة اللبنانية تضم فساداً كثيراً وسرقات ومحسوبيات ووساطات على الصعيد الإداري لكن لا يمكن التشكيك فيها أبداً على المستوى العلمي".

المطلوب التحقيق بما حصل. طلبٌ قد يضحك لسماعه البعض لكن أساتذة الجامعة اللبنانية يطالبون به. فهل نُصدق أن "الدولة" قد تقوم بتحقيقٍ يفضي الى حقيقة؟ تجيب نون: "ليس أمامنا إلا أن نطالب بالتحقيق كي نعرف من أدخل الأسئلة والأجوبة؟ وكي نتأكد من أبعاد ما حصل: هل هو مجرد خطأ ناتج عن إهمال أم هو خطأ مقصود لمصلحة ما؟ ولمصلحة من؟

 

 

هنا الأمر والنهي



مراقبٌ للعمل التربوي الجامعي من زمان يقرأ هو أيضاً بأبعاد ما حصل ولديه، كما سواه، مخاوف عدة ويقول "هناك بين 180 طالباً نجحوا 50 طالباً كان يفترض أن يكونوا راسبين لو لم يحصل الخطأ، وهؤلاء سيُصبحون بعد سبعة أعوام أطباء مسؤولين عن صحتنا. وهذا، إذا ثبُت أنه تأتى عن إهمال فقط، فهو إهمال كبير يفترض أن تكون عقوبته إقالة رئيس الجامعة". يضيف "لو مرّ "الخطأ" مرور الكرام، كما مسائل كثيرة تحدث، لتسبب بهدم مستقبل شباب وشابات يستحقون النجاح ولتسبب أيضاً بعدم توازن وجعل الجامعة "شيعية". ويُنهي بالقول "هذا ليس خطأ حاسوب تقنياً بل خطأ إنسان تعامل مع الحاسوب باستنسابية. ثمة من أعطى الحاسوب معلومات خاطئة. ومعلوم أن الأسئلة والأجوبة تمرّ للتدقيق في مراحل عدة قبل أن تصل الى العميد ويوقّع عليها. وهو، حين تمت مراجعته بأن النتائج تشير الى شيء غير واضح، الى خطأ ما، والى أن نسبة الرسوب في القسم الفرنسي "غريبة" أجاب: "بلى، ممكن أن تأتي هذه النتيجة ولا شيء يدعو للإستغراب".

نعود الى الدكتورة نون لنسألها: هل تطالب بإقالة رئيس الجامعة مثلاً؟ تجيب "أحاول ألا "أشخصن" الخلافات مع أحد، فالأخطاء كثيرة، من فؤاد أيوب الى عدنان السيد حسين الى آخرين، وهي ستبقى طالما المنظومة قائمة والتوظيف السياسي هو السيد. نحتاج الى مجلس للجامعة. ونحتاج الى أشخاص يغلبون عملهم في الجامعة على انتماءاتهم الطائفية والحزبية. نحتاج الى من يأخذون القرارات الصحيحة في الجامعة ويفرضونها على أحزابهم وطوائفهم".

 

 

العميد السابق بطرس يارد


لا يزال الهريان يستشري في كل بنيان الدولة اللبنانية. ثمة إصرار من كثيرين على متابعة ما بدأوه من زمان وزمان غير آبهين بكل الأصوات التي طالبت بدولةٍ ومؤسسات وبرامج تؤسس للبنان مختلف. الخطأ جائز؟ طبعاً، لكن حين تكثر الأخطاء وتسبقها قرارات تشي بنوايا يحوكها أشخاص باسم "مذاهب" تجعل الناظر يشك. وكل هذا يحدث تحت بصر "شباب الحركة" الذين يتصرفون وكأنهم "أهل البيت" في الحرم الجامعي!

في كل حال، غبطة البطريرك بشارة الراعي كان قد طلب من فؤاد أيوب قبل يومين من جريمة بيروت في 4 آب تعيين عمداء أصيلين. وهذا لم يحصل طبعاً. فهل التطورات لم تساعد؟ ربما لكن الثابت أن لا إرادة إلا "بالحكي" لإنجاز المفروض، خصوصاً أنهم يأتون "بالوكلاء"، بدل الأصيلين، على قياسهم.

هل ننتظر التحقيق في الحادث؟ نضحك أو نبكي؟ قد "يلملمون" القضية بالقول إن "فلاناً" قد أخطأ في حين أن الخطأ يفترض أن يُلقى على من هم في السدة لا على المسكين "فلان"!

بداية، ومن التيار الداعم للعهد ولرئيس الجمهورية، الذي يكرر كل يوم شعار التدقيق والمحاسبة، أعلن اليوم الأربعاء رئيس لجنة المال والموازنة، ابراهيم كنعان، أن "العقد مع شركة التدقيق الجنائي غير قابل للتطبيق".

أيضاً، منذ البداية، بدأ مصرف لبنان بوضع العراقيل أمام عمل شركة آلفاريز آند مرسال المكلّفة بإجراء التدقيق الجنائي، رافضاً التعاون بذريعة الحواجز التي يفرضها قانوني السريّة المصرفيّة والنقد والتسليف، وبذريعة مبدأ إستقلاليّة المصرف المركزي الذي لا يسمح لوزارة الماليّة التفاوض مع شركة أجنبيّة لتوقيع عقد للتدقيق في أعمال المصرف. بدأت العرقلة من خلال التمنّع عن تسليم المعلومات في المرحلة الأولى، ورفض الإجابة عن أسئلة الشركة، وصولاً إلى رفض إعطاء الشركة صلاحيّة التعامل المباشر مع إداريي مصرف لبنان للحصول على المعلومات.

بحجة القوانين
في مرحلة من المراحل، لم يوافق حاكم مصرف لبنان حتّى على إعطاء الشركة غرفة صغيرة داخل مبنى المصرف المركزي للقيام بالمهام التي أوكلت بها، رغم أن المنطق يفرض ممارسة مهام التدقيق من داخل المصرف نفسه. باختصار، لم يعترف رياض سلامة بمشروعيّة عمل الشركة منذ الأساس، ولم يترك عقبة إلا ووضعها أمام الشركة منذ إنطلاق عملها، علماً أن عدم وجود حكومة مكتملة الصلاحيّات ساهم في تمكين الحاكم من التعنّت في وجه مسار التدقيق الجنائي بهذا الشكل الفاضح.

وزارة الماليّة تدخّلت بالتأكيد، عملاً بأحكام عقد التدقيق الذي يعتبر أن الوزارة هي العميل الذي فوّض الشركة إجراء التدقيق، والذي يعتبر أن فرض إمتثال المصرف المركزي لعمليّة التدقيق هو من واجبات الوزارة بالدرجة الأولى، لا بل يعتبر العقد أن توقيع الوزير على العقد بحد ذاته يفترض إمتلاكه صلاحيّة هذا التوقيع والقدرة على وضع العقد حيّز التنفيذ. ولذلك، عملت الوزارة بعد بروز تلك العراقيل على جمع الحاكم بوفد الشركة، وعلى حث الحاكم على تقديم ما يمكن تقديمه من مستندات تحت سقف ما يعتبره مصرف لبنان الحواجز القانونيّة التي تحد من عمل شركة التدقيق. علماً أن الوزارة تمتلك أيضاً أيضاً أسبابها لمحاولة إنجاح مسار التدقيق ولو كان تدقيقاً شكلياً لا يفضي إلى أي نتائج ذات قيمة، لكون هذا التدقيق يرتبط بشروط صندوق النقد.

وبالفعل، أنتج جهد الماليّة تعاوناً شكلياً من قبل مصرف لبنان، الذي وافق على تلقي لائحة المعلومات المطلوبة والاستفسارات من الشركة، وعلى إرسال الأجوبة وبالبيانات "ضمن حدود القوانين المرعيّة الإجراء". أمّا المخرج، فكان إرسال المعلومات من خلال مفوّض الحكومة لدى المصرف المركزي، الذي يقع عمله ضمن النطاق الإداري لوزارة الماليّة، والذي يعطيه قانون النقد والتسليف صلاحيّة التدقيق في أرقام وميزانيّات مصرف لبنان.

معلومات عامة
وهكذا تمكّن مصرف لبنان من فرض حواجز تمنع الشركة من "إقتحام" دهاليز المصرف المركزي، عبر الحؤول دون التعاطي أو الاحتكاك المباشر مع إداريّي المصرف وتوجيه الأسئلة والاستفسارات إليهم. مع العلم أن فرض هذا النوع من البروتوكولات يعتبر نكتة في عالم التدقيق الجنائي المالي، كون عمليّة التدقيق الجنائي بحد ذاتها تفترض البحث والتحرّي في أدق تفاصيل البيانات والإجراءات مع الأطراف المعنيّة، كما تفترض وجود أخذ ورد وتفاعل مع الأشخاص الذي أتخذوا القرارات المشمولة بهذا التدقيق.

في كل الحالات، أرسل مصرف لبنان بواسطة مفوّض الحكومة في المصرف المركزي المعلومات والإجابات المطلوبة من قبل الشركة في 13 تشرين الأوّل الماضي. وما إن وصلت هذه الوثائق إلى مكاتب الشركة حتّى تبيّن أنّ آلاف الأوراق التي جرى إرسالها ليست سوى معلومات متاحة للعموم على موقع مصرف لبنان الرسمي، وفي الميزانيّات التي يفصح عنها دوريّاً. وبذلك، يمكن القول أن ما يمكن أن تفعله آلفاريز آند مرسال بهذه الإجابات لا يتجاوز حدود الدراسات العامّة، التي لطالما أعدّتها في السابق الشركات الاستشاريّة الماليّة بالإستناد إلى هذا النوع من المعلومات المتاحة لأي شخص.

ورطة الشركة
فهمت آلفاريز آند مارسال أنّها تورّطت في مهزلة غريبة عن أصول التدقيق الجنائي، وأنّ ثمّة ما هو أكبر منها ومن لجنة التدقيق الجنائي التي عيّنها وزير الماليّة لمساعدتها وللإشراف على مسار التدقيق. لا بل بدا واضحاً لآفاريز آند مرسال أنّ من جاء بها لإجراء التدقيق لم يرد منذ الأساس إنجاز تدقيق فعلي وحقيقي في مصرف لبنان، ولعلّ أبرز المؤشّرات التي تدل على ذلك نوعيّة لجنة التدقيق التي جرى تعيينها، والتي تفتقد لوجود أي خبير متخصص في عمليّات التدقيق في المصارف المركزي. ببساطة، أصبحت ورطة آلفاريز آند مرسال عبئاً عليها وعلى سمعتها، وصارت الشركة تبحث عن المخرج المطلوب بأي ثمن.

عمليّاً، أمام آلفاريز آند مارسال حتّى يوم الثلثاء المقبل لتعطي ردّها بشكل رسمي، وفقاً لأحكام العقد. لكنّها في الواقع اتخذت قرارها منذ الآن وأبلغته لمن يعنيه الأمر: الشركة رفعت العشرة، وهي لن تتمكّن من القيام بالتدقيق المطلوب منها بالمعلومات التي قام مصرف لبنان بتزويدها إياها. وبذلك، يمكن القول "قُضي الأمر"، وصار التدقيق الجنائي وفقاً للمسار الذي نص عليه العقد الموقع بحكم المنتهي. في المحصّلة، ووفقاً لأحكام العقد، وبعد تلقّي وزارة الماليّة كتاب إعلان الإنسحاب الرسمي، سيحق لآلفاريز آند مارسال أن تحتفظ بجزء من الدفعة الأولى التي قدّمتها الدولة للشركة عند توقيع العقد (40% من إجمالي الأتعاب)، على أن تُعفى الدولة من دفع باقي الأتعاب.

الانسحاب والاعتذار
في كل الحالات، وبانتظار تلقّي الوزارة كتاب الانسحاب الرسمي، يمارس الفرنسيون، من خلال الوفد الفرنسي الموجود داخل مصرف لبنان، مساعي اللحظات الأخيرة لمعالجة المسألة، بمحاولة إقناع الحاكم بتليين موقفه من عمليّة تزويد الشركة بالمعلومات المطلوبة. لكنّ يمكن القول أنّ هذه المساعي مازالت بعيدة عن تحقيق أي تقدّم يُذكر، خصوصاً في ظل تشبّث الحاكم بالتطبيق الحرفي للقوانين اللبنانيّة، التي تفرض عدم الإفصاح عن أي معلومات مصرفيّة داخليّة، باستثناء تلك المتاحة أساساً للعموم. أمّا في حال حصول تسوية في اللحظات الأخيرة، فسيكون الحل توقيع ملحق لعقد التدقيق، يتم فيه تمديد المهل المحددة لتزويد الشركة بالمعلومات، وتمديد المهلة الممنوحة للشركة لاتخاذ قرار مباشرة عمليّة التدقيق الجنائي.

أما السيناريو الأكثر ترجيحاً، فهو اعتذار الشركة عن مواصلة عمليّة التدقيق بأسرها، وانسحابها من المسار في الوقت الراهن، على أن يُترك للحكومة المقبلة مسألة إطلاق تدقيق جنائي جديد في المصرف المركزي، ومعالجة الثغرات القانونيّة التي عرقلت المسار السابق. أمّا النتيجة الوحيدة لمسار التدقيق السابق والمتعثّر، فستكون في هذه الحالة هدر جزء من الأتعاب التي جرى دفعها لشركة التدقيق خلال الفترة الماضية.

وهكذا، يمكن القول أن مسار التدقيق الجنائي قد اغتيل عن سابق تصور وإصرار وتصميم، أولاً من خلال المضي في عقد لا يمكّن الشركة من تجاوز العقبات القانونيّة المتعلّقة بالسرية المصرفيّة وسريّة معلومات مصرف لبنان، وثانياً من خلال تعيين لجنة إشراف غير متخصصة ولا تملك خبرة التعامل مع هذا النوع من أعمال التدقيق، وبالتالي لا تملك القدرة على دعم الشركة وتذليل الصعوبات التي تقف في وجهها، وثالثاً من خلال عدم تحرّك لجنة المال والموازنة بالتوازي مع بدء الشركة بأعمال التدقيق، لإصدار ما يلزم من تشريعات لتذليل العقبات القانونيّة.


أصدر ديوان المحاسبة قراراً يرفض فيه 15 عقداً استثنائياً مع متعاقدي برنامج الأمم المتحدة الانمائي (UNDP) لدى المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء. فعقود نقل موظفي البرنامج الى كنف القطاع العام بقرار من وزير المال غازي وزني وموافقة من رئيسَي الجمهورية والحكومة يخالف الأصول والإجراءات القانونية بطريقة اختيار الموظفين، ويحصل في ظل تجميد عمليات التوظيف وفي فترة تصريف الأعمال

منذ نحو شهر، وقبيل يوم واحد من انتهاء عقود موظفي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، جدّدت الدولة اللبنانية عقود نحو 150 موظفاً في مختلف الوزارات لمدة عام واحد. حصل ذلك بناءً على قرار أعدّه وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني، وبطلب من رئيس الحكومة حسان دياب، لكن مع تعديل جذري يتيح للوزارات التعاقد مباشرة مع موظفي البرنامج وبالليرة اللبنانية، فيما جرت العادة أن تكون عقودهم مع الأمم المتحدة، وبالدولار. يومها، أدخل وزني هذه العقود ضمن العقود الاستثنائية، ونالت موافقة استثنائية من رئيسَي الجمهورية والحكومة ميشال عون ودياب، ليلتحق موظفو الـ»UNDP» بالقطاع العام بعد أن انتقلت عقودهم الى الوزارات التي كانوا يعملون فيها، في موازاة إنهاء برنامج الأمم المتحدة بعد نحو 20 عاماً على بدء عمله في مؤسسات الدولة (راجع الأخبار). كان المفترض بتلك العقود أن تنال موافقة ديوان المحاسبة المسبقة، لكن تم إسقاط هذا الشرط القانوني وتجاوز الديوان عبر تذييل القرار بتوقيع الوزير المختص وكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ليست تلك المرة الأولى لوزني في هذا السياق، فقد قام أيضاً بتوقيع عقود التدقيق في حسابات مصرف لبنان بالطريقة نفسها، وذلك يرتّب مسؤولية رئيسية عليه. نتيجة هذه المخالفة شكلاً، أي إنجاز عقود استثنائية، ومضموناً بما يتعلق بآلية التعاقد مع الموظفين، أصدر رئيس ديوان المحاسبة محمد بدران قراراً أول من أمس يقضي بعدم الموافقة على 15 مشروع عقد استثنائي بين الدولة اللبنانية ممثلة بشخص رئيس مجلس الوزراء كفريق أول، وموظفي برنامج الأمم المتحدة كفريق ثان، لقاء تعويضات شهرية وبقيمة إجمالية بلغت ملياراً و55 مليوناً و400 ألف ليرة لبنانية، بناءً على موافقة استثنائية صادرة عن عون ودياب. جرى إبلاغ هذا القرار الى كل من وزني ودياب وعون، إضافة الى مراقب عقد النفقات والنيابة العامة لدى الديوان. وكان مراقب عقد النفقات قد أرسل كتاباً الى الديوان بتاريخ 20/10/2020 يودع بموجبه إحالة المديرية العامة لرئاسة الحكومة الرقم 1751/ص/2020 تاريخ 1/10/2020 المتعلقة بهذه العقود. أما مقتضيات الرفض فتعود الى أن عملية تغطية الاتفاقات كانت تتم عبر مساهمات مالية وافق عليها الديوان، بعد توصية الإدارة بوجوب إجراء التوظيف وفقاً للأصول والقوانين، وعدم منح أي مساهمة مستقبلاً الى أي منظمة لتقوم بهذا التوظيف. وهذه التوصية لا يمكن أن تفسر بالاتجاه الذي يفيد بإجراء عقود استثنائية على النحو المعروض في الملف لثلاثة أسباب:
1- لا يمكن أن يكون اختيار الموظفين متروكاً لكل وزارة أو إدارة على حدة، ويجب لزوماً العودة الى قانون الموظفين الذي حصر شؤون اختيار الموظفين بجهاز مركزي متخصّص هو مجلس الخدمة المدنية.
2- تم تجميد كل عمليات التوظيف في الإدارات والمؤسسات العامة بموجب أحكام المادة 80 من قانون موازنة عام 2019 التي أوجبت وقف جميع حالات التوظيف والتعاقد تحت التسميات كافة (متعاقد، مياوم، شراء خدمات)، باستثناء الاتفاق ضمن حدود الاعتمادات المخصصة لكل إدارة والعقود التي تجدد سنوياً. العقود الاستثنائية المعروضة في قرار وزني لا تدخل ضمن هذا المفهوم.
3- العقود المعروضة في ظل استقالة الحكومة وسياسة وقف التوظيفات بشكل عام لا يمكن أن تدخل في مفهوم النطاق الضيق لتصريف الأعمال.
في الختام، يتطرق قرار الديوان الى أنه يعود للإدارة في الحالة الراهنة، ومن العام 2020 حصراً، إجراء عقود مصالحات مع أصحاب العلاقة عملاً بأحكام المادة 1035 من قانون الموجبات والعقود، وبمبدأ عدم جواز الإثراء أو الكسب غير المشروع «على حساب الغير»، للتعويض عن كل عمل أو استشارة أو خدمة قام بها الخبراء التابعون لبرنامج الأمم المتحدة المذكورة حتى تاريخه؛ شرط ألا يكونوا قد تقاضوا عن هذه الأعمال بدلات من البرنامج نفسه.

ليست هذه المخالفة الأولى لوزني، فقد قام أيضاً بتوقيع عقود التدقيق في حسابات مصرف لبنان بالطريقة نفسها

قرار الديوان لا يعني وقف هذه العقود التي يجري العمل بها منذ شهر وباتت موضع تنفيذ نتيجة موافقة كل من عون ودياب الاستثنائية. قد يكون الحل بطلب مصالحة أسوة بملفات مشابهة انتهت على هذا الشكل، رغم أنه لا مبرّر فعلياً لمخالفة وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني القوانين، أكان ذلك تحت حجة السرعة أم ضيق الوقت أم عدم قدرة الوزارات على تسيير بعض البرامج والمعاملات والمواقع الإلكترونية وأنظمة المكننة من دون هؤلاء. فمشروع إنهاء البرنامج وضع على طاولة البحث منذ تأليف حكومة دياب، وكان أحد أهم مشاريع رئيس الحكومة تحت عنوان ترشيد الإنفاق، نظراً إلى الأموال المهدورة على هذا البرنامج منذ التسعينيات، من دون أن يحقق هدفه بتطوير قدرات الإدارة العامة؛ ولأن مهمة هذا البرنامج كانت محددة بثلاث سنوات، قبل أن تسير على الطريقة اللبنانية فتتوّج عامها العشرين من دون إنتاج أو فعالية. (راجع الأخبار). في موازاة ذلك، جرى اقتراح حلّ مشكلة بطالة نحو 150 موظفاً عبر مخرج «استثنائي» يقضي بنقل عقودهم الى كنف الدولة، وتعديل دفع الرواتب المحددة بالدولار الى الليرة اللبنانية، وبحسب سعر الصرف الرسمي (أي 1515 ليرة للدولار الواحد)، ما يعني فعلياً أن قيمة رواتب هؤلاء قد انخفضت من جرّاء ارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء، علماً بأن الرواتب تراوح ما بين ألفَين و10 آلاف دولار شهرياً، فضلاً عن أن هذه «العقود الاستثنائية» تمهد للاستنسابية في التوظيف، لأنها تضع مصير الموظفين بيد الوزير حصراً، فينتقي من يريد دون غيره، من دون الحاجة الى تعليل قراره، وبصرف النظر عمّا إذا كان يحظى بالمؤهلات المطلوبة لمنصبه أو لا.،كما أنه يؤدي الى عدم المساواة بين موظفي القطاع العام الأصليين والمتعاقد معهم حديثاً، أكان من ناحية الراتب أم من ناحية الهرمية الوظيفية.

 
رسم رائد شرف

 

بتاريخ 14 تشرين الأول 2020، أصدر مجلس شورى الدولة قرارا بوقف تنفيذ قرارين صادرين عن وزيرة العمل لميا يمين: الأول اتصل بإقرار عقد العمل الموحّد الخاص بالعاملات والعمال في الخدمة المنزلية، والثاني بتحديد نسب الحسم من رواتب هؤلاء كتقديمات عينية، الصادرين تباعا في 8 أيلول و11 أيلول 2020. وكانت الدعوى قدمتها نقابة أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل بتاريخ 21 أيلول 2020 على وجه السرعة، متذرعة فيها بأن القرارين يلحقان ضررا بليغا بقطاع استقدام العاملات. ويجدر التذكير هنا أن لمجلس شورى الدولة أن يوقف تنفيذ القرارات الإدارية “إذا تبين من ملف الدعوى أن التنفيذ قد يلحق بالمستدعي ضررا بليغا وأن المراجعة ترتكز إلى أسباب جدية مهمة”، وأنه عادة يفعل ذلك من دون تعليل على أساس أن القرار هو قرار إعدادي ومؤقت بانتظار انتهاء المحاكمة وأن من حقه الرجوع عنه في أي حين.

ويستدعي هذا القرار ملاحظات عدة، أبرزها الآتية:

– 

أولا، شورى الدولة يواصل إجهاض مبادرات الإصلاح: من يحمي الدولة؟

يأتي هذا القرار ضمن مجموعة من القرارات السلبية الصادرة عن المجلس بوقف تنفيذ مبادرات إصلاحية هامة سواء في الإدارة أو على صعيد الحقوق (منها قرار وقف تنفيذ قرار وزير التربية الوطنية بإنهاء تكليف ندى عويجان بمهام رئيسة المركز التربوي وقرار إبطال قرارات المديرة العامة للتعاونيات المتصلة بصندوق تعاضد الفنانين). ويظهر المجلس في هذه الحالات الثلاث الحاصلة كلها في الفصل الأخير وكأنه يتولى عملية إجهاض أي إصلاح في الإدارة أو في الحقوق التي تمنحها، وتاليا إحباط أي إرادة في هذا الاتجاه.

وما يزيد من قابلية هذا التوجه للنقد هو أن استجابة المجلس لطلبات وقف تنفيذ قرارات ذات طابع إصلاحيّ يوازيها في أحيان كثيرة رفض طلبات وقف تنفيذ قرارات تحتوي مخالفات فادحة للقانون وبعضها مدمّر لعناصر الطبيعة وصحة الناس، أهمها رد طلب وقف تنفيذ قرار السماح لشركات الإسمنت بإعادة تشغيل المقالع التابعة لها (صدر القرار في أيلول 2020 وأيضا من دون تعليل). ومن هنا، يجدر طرح السؤال الذي عنونت به “المفكرة القانونية” عددها الخاص عن مجلس شورى الدولة: من يحمي الدولة؟ أو بكلام أكثر تفصيلا من يحمي شرعية الدولة ووظائفها الأساسية في ضمان الصالح العام؟

ثانيا، من يدافع عن الدولة؟

كما سبق بيانه، لا يعلل مجلس شورى الدولة قرارات وقف التنفيذ التي يصدرها. لكن قبوله وقف التنفيذ إنما يعني أنه يعدّ أسناد الدعوى التي أدلت بها المستدعية (نقابة مكاتب الاستقدام) جدية وأن ثمة أرجحية لقبولها. وبمراجعة الملخص الوارد ضمن القرار لأسناد نقابة المكاتب، يظهر أنها تضمنت 10 أسناد استغرقت صفحتين ونصف منه، فيما أنه أشار في سطرين فقط إلى أن الدولة طلبت ردّ وقف التنفيذ لعدم توفر شروطه من دون أي تفصيل آخر. وهذا الأمر إنما يؤشر إلى أن هيئة القضايا (وهي الهيئة التي تمثّل الدولة في الدعاوى المقامة ضدّها) اكتفتْ بتقديم دفاع عمومي مُقتضب من دون مناقشة هذه الأسباب. كما لا يظهر في القرار أي إشارة إلى موقف وزارة العمل حيال الدعوى أو موقفها منها. ومن شأن هذا الأمر أن يُظهر مرّة أخرى قصوراً في دِفاع الدولة عن نفسها، وبخاصّة في المسائل الحقوقية أو العامة (أو بكلام آخر الإصلاجية)، أو بكلمة أخرى في المسائل التي لا يكون فيها لأي من القوى النافذة مصلحة ذاتية في االدفاع عنها. ومن هذا المنطلق، تجد أن ممثلي الدولة غالبا ما يدافعون بزخم عن القرارات التي تخدم مصالح فئوية وتحوم حولها شبهات فساد (كمراسيم إشغال الأملاك العامة أو رخصة بناء مبنى الإيدن باي مثلا)، فيما رصدت “المفكرة” مرات كثيرة انكفأ فيها هؤلاء عن الدفاع عن قرارات الإدارة العامة بحماية الصالح العام أي القرارات التي تدخل ضمن الوظائف الحقيقية للدولة. وهذا الأمر الذي دفعنا غالبا إلى التساؤل عمن يدافع حقيقة عن الدولة.

وما يزيد هذا التساؤل حدّةً هو أنّ هيئة القضايا أنكرتْ مرات عديدة صفة الجمعيات البيئية للطعن في القرارات التي تمسّ بالبيئة، كأنها تتنكر ليس فقط لدورها في الدفاع عن الصالح العام بل أيضا لدور أي كان في القيام بذلك.

ثالثا، تغليب مصالح مكاتب الاستقدام على درء مخاطر ارتكاب جنايات إتجار بالبشر:

أو تسفيه المخاطر العامة

الأمر الثالث الذي يستدعي التعليق هو نقص الحساسية الفاقع حيال ممارسات العمل القسري والإتجار بالبشر والاستعباد الحاصلة على قدم وساق في لبنان حيال هذه الفئة من العاملات، والتي وثقتها “المفكرة القانونية” في مقالات عدة كما وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية والدولية. وقبل المضي في تبيان ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسات ما كانت لتحصل وتستمر لولا ثلاثة عوامل: (1) استثناء العمل المنزلي من حماية قانون العمل سندا للمادة 7 منه، و(2) نظام الكفالة الذي يربط نظامية إقامة العاملة الأجنبية في لبنان بالعمل لدى شخص معين بمعنى أن وضعها يصبح غير قانوني ويتمّ ترحيلها في حال إنهاء عقد العمل لأيّ سبب من الأسباب، و(3) عدم توفر الحماية القضائية اللازمة لأسباب عدة أبرزها توقيف العاملة التي تترك العمل لأي سبب من الأسباب (ولو كانت معتدى عليها) واستجوابها وترحيلها قبل إحالة ملفها إلى القضاء أي من دون أن يتسنى لها حتى المثول أمامه. وهو أمر يؤدي إلى تحويل محاكمة العاملات إلى محاكمات غيابية، تغيب عنها روايات ما قد تعرضن له من معاناة.

وبفعل هذه العوامل، أشرنا مرات عدة إلى أن نظام الكفالة يصبح بمثابة امتياز إضافي يضيفه أصحاب العمل إلى سائر الامتيازات الواقعية التي يتمتعون بها في مواجهة فئة تتراكم فيها عوامل الضعف من دون أي حماية قانونية أو قضائية، وأنه نظام يؤدي عمليا ليس فقط إلى تسهيل إستغلال العاملة بل أيضا إلى ضمان إفلات ممارسات الاستغلال والإتجار من أي عقاب. وهكذا، وبدل أن تتدخل أجهزة الدولة لحماية الطرف الأضعف وإعادة بعض التوازن للعلاقة عملا بفلسفة قانون العمل، تراها تدخلت من خلال فرض نظام الكفالة إلى منح  الطرف الأقوى مزيدا من الامتيازات وعمليا سلطة مطلقة على كيان العاملة، مما أسهم في العديد من الحالات إلى توسيع ممارسات الإتجار بالبشر التي تشكل فئة من أخطر الجنايات.

وفيما سعى العقد الموحّد المطعون فيه إلى التخفيف من حدة هذا اللاتوازن من خلال تمكين العاملات من التمتع ببعض الحقوق الأساسية (القسم الأكبر منها بديهي كحق الخروج من المنزل أو يضمنه قانون العمل كالإجازة السنوية أو المرضية أو الحدّ الأقصى لساعات العمل)، وهي خطوة صغيرة ومحدودة للأمام، فقد جاء قرار مجلس شورى الدولة لينسف هذا الإنجاز رغم محدوديته ويعيد وضعية العمل المنزلي إلى نقطة الصفر.

وقد تبدّت لا حساسيّة المجلس من خلال سهْوه التامّ عن الواقع المعيوش. فهو لم ينظر أنه أمام عقد يسعى لدرء مخاطر ارتكاب جنايات كبرى غالبا ما تقترن بمواقف عنصرية وطبقية ولا إنسانية، بل غلب لديه الشعور بأنه أمام تدبير من شأنه الإضرار بمصالح قطاع مكاتب الاستقدام.

وقد تجلّى ذلك بداية في الاعتراف ضمناً بصفة نقابة مكاتب الاستقدام في الطعن في العقد الموحّد الذي يفترض أن ينظم العلاقة بين صاحب العمل والعاملة، وبخاصّة أن مطالب النقابة لم تقتصرْ على المطالبة بإبطال البنود المتصلة بها (وهي إثنتان فقط) بل توسعت لتشمل مجمل البنود الواردة في العقد الموحد.

وهذا ما نستشفه من اعتراضها على البنود المتصلة بوجوب تحديد ماهية العمل المنزلي الذي يشمله التعاقد أو فرض حدّ أدنى للأجور أو حدّ أقصى لساعات العمل أو مدة للراحة الأسبوعية (24 ساعة متواصلة) واليومية (9 ساعات متواصلة) والإجازات السنوية (15 يوما) والعطل ونهاية الخدمة (عدم جواز إنهاء العقد إلا بموجب إنذار قبل شهر). كما اعترضت المكاتب على إلزام صاحب العمل بدفع بطاقة السفر في حال فسخ العقد على خلفية خطأ مرتكب منه أو على اعتبار وفاة صاحب العمل سببا لإنهاء عقد العمل، وكأنها بذلك تعتبر العاملة جزء من تركة هذا الأخير. وقد رأت نقابة المكاتب أنّ فرض هذه الحقوق (وكلها مضمونة في قانون العمل وغالبها يشكل مسائل بديهية لمنع ارتكاب جناية العمل القسري) إنما يخلّ بالحرية التعاقدية للطرفين والمضمونة في قانون الموجبات والعقود، ويضرّ بها ضررا بليغا. وعليه، يتبدّى أنّ مجلس شورى الدولة اعتبر أن لمكاتب الاستقدام صفة للمطالبة بإبطال العقد الموحد، ليس على خلفية أنه يمس بوضعيتهم القانونية مباشرة، بل على خلفية أنه يرمي إلى تحسين شروط العمل المنزلي لصالح العاملة ويحدّ من امكانية استغلالها.

وهذا الأمر لا يمكن أن يفسر إلا بطريقة واحدة وهي أن المجلس اعتبر ضمنا ولكن بشكل أكيد أن القطاع يقوم على تأمين يد عاملة قابلة للإستغلال، وأن من شأن أيّ تحسين لأوضاعها أو مكافحة لامكانيات الاستغلال أن ينعكس سلبا على هذا القطاع وعلى الطلب على استقدام عاملات من الخارج. ولا نحتاج إلى الكثير من الجهد لنتبين أن قبول صفة المكاتب في هذا الخصوص إنما يعني في عمقه تسليما بمصالح لا يفترض أن تكون محمية قانونا، طالما أنها مصالح غير مشروعة، بما يناقض المادة 106 من نظام مجلس شورى الدولة التي تربط قبول الدعوى على توفر مصلحة مباشرة ومشروعة. وما يزيد من قابلية هذا الموقف للنقد هو أن المجلس أصدر العديد من القرارات برد صفة الجمعيات البيئية ومصلحتها في الطعن في قرارات بعضها تدميري للبيئة والآملاك العامة البحرية.

فضلا عن ذلك، نستشفّ نقص الحساسية لدى المجلس من اعتبار أسناد المكاتب المذكورة أعلاه جدية. فبذلك، يعلن المجلس أن حماية مصالح القطاع أبدى من حماية العمالة من الإستغلال الفادح والحد من مخاطر ارتكاب جنايات الإتجار بالبشر. وبذلك، يكون قد كبّر من المصلحة التجارية لهذه المكاتب وسفّه من الحقوق الأساسية للعاملات. تسفيه آخر للمخاطر العامة، يعادل في خطورته تسفيه الخطر العام الذي شهدناه من خلال تقاعس عدد كبير من إدارات الدولة عن اتخاذ أي موقف لدرء مخاطر الإفلاس المالي والاقتصادي أو مخاطر انفجار المرفأ أو مخاطر التلوث البيئي الحاصل في العديد من مناطق لبنان بما حولها أشبه بمناطق موت.

ولا يقلل من هذا تذرع المكاتب بأن وزيرة العمل اتخذت قرارها في فترة تصريف أعمال، طالما أن درء المخاطر وامكانيات ارتكاب جناية إتجار بالبشر أمر ملح وضروري في أي ظرف. كما لا يقلل من هذا تذرع المكاتب بأن وزيرة العمل اتخذت قرارا يدخل في صلاحية المجلس النيابي طالما أن لهذه الوزيرة صلاحية محفوظة لتحديد شروط الحصول على إجازة عمل، ومن بينها التوقيع على عقد عمل موحد.

بقي أن ندعو ختاما، وأمام خطورة هذا القرار ومنعا لمزيد من الاستغلال، إلى تشكيل أوسع جبهة حقوقية واجتماعية لمواجهة المكاتب أمام المجلس، في مواجهة باتت أكثر من ملحة: مواجهة ترمي في عمقها لإعلاء حقوق الناس ومنع تسفيهها.

في 3 تشرين الثاني تنتهي زوبعة التدقيق الجنائي. تلك مزحة لم تمرّ على رياض سلامة، الذي أفشلها بالتضامن والتعاون مع «القانون» والحماية السياسية. «ألفاريز اند مارسال» ستُغادر، فاتحة المجال أمام تدقيق على الطريقة الفرنسية. هل سلامة سيكون جزءاً من الحل كما كان جزءاً من الانهيار، على شاكلة سعد الحريري؟ أم أنه سيتخلى عن منصبه بعد حصوله على ضمانات بعدم ملاحقته؟

 

التفاؤل بأن تُشكّل الحكومة في فترة وجيزة، يؤكد أن التفاهم السياسي المدعوم بالمبادرة الفرنسية يسلك طريقه نحو الإنجاز. لكنّ اتفاقاً من هذا النوع، يجمع أهل السلطة وخلافاتهم، لا يمكن أن يكون إلا على قاعدة: عفا الله عما مضى. التطبيق العملي لهذه القاعدة، يبدأ من مصرف لبنان. التحقيق الجنائي يشارف على الانتهاء، قبل أن يبدأ. رياض سلامة ليس من النوع الذي يستسلم حتى في ظل «حكومة معادية». بوجود الحريري على رأس الحكومة، صار بإمكانه أن يطمئن. في مقابلته الأخيرة مع برنامج «صار الوقت»، لم يوارب الرئيس المكلّف بقوله إنه يريد رياض سلامة إلى جانبه.

هذا يتطلب أن لا تكون رقبة حاكم المصرف المركزي مرهونة لتدقيق جنائي من البديهي أن يدينه، كما يدين أشخاصاً ومؤسسات. بحسب العقد الموقّع بين وزارة المالية وشركة «ألفاريز آند مارسال»، فإن المصرف المركزي كان مطالباً بالإجابة على طلبات الشركة خلال مهلة أسبوعين، وإذا تبيّن لها أن البيانات غير كافية للتمكن من بدء مراجعتها، وجب على وزارة المال اتخاذ خطوات معقولة في حدود الإطار القانوني اللبناني الحالي بهدف ضمان إتاحة البيانات التي تطلبها الشركة في غضون فترة لا تزيد عن أسبوعين، وبما يناسب الشركة تماماً.
مهلة الأسبوعين المجدّدة تنتهي في الثالث من تشرين الثاني. كل المعطيات تشير إلى أن مصرف لبنان لن يستجيب لمطالب الشركة. وبناءً عليه، يتوقع أن تطلب الأخيرة، بحسب العقد، إنهاء الاتفاقية «بسبب عدم قدرتها على اتخاذ قرار بدء التدقيق نتيجة لقصور إتاحة المعلومات». تحصل حينها على ١٥٠ ألف دولار وترحل.
في المهلة الأولى المعطاة لمصرف لبنان لتسليم المستندات المطلوبة، رفض الإجابة على نحو 100 سؤال واستفسار، متحجّجاً بأمرين: السرية المصرفية، وعدم وجود أي علاقة تعاقدية تجمعه بـ«ألفاريز اند مارسال» التي وقّعت العقد مع وزارة المالية لا معه. استخفافه بالتدقيق لم يقتصر على رفض تسليم أغلب البيانات المطلوبة. حتى ما سلّمه من معلومات كان في أغلبه بيانات منشورة وعامة. ولمزيد من الاستهزاء بقرار الحكومة إجراء التدقيق الجنائي، سلّم المصرف المركزي وزارة المالية آلاف المستندات الورقية، التي حولتها بدورها إلى مركز الشركة في دبي، بالرغم من إدراك كل الأطراف أنه يستحيل التدقيق فيها.
عندما تسأل مصادر وزارة المالية، تجيب بأنها لا يمكنها إلزام المصرف المركزي تسليم كل المستندات المطلوبة. تقول إن قانون النقد والتسليف يعطي مفوّض الحكومة لدى المصرف المركزي الحق بطلب البيانات المالية للمصرف، لكنه لا يلزمه تزويدها بمعلومات محمية بموجب قانون السرية المصرفية. المصادر المعنية تذهب أبعد من ذلك: نحن نعرف القانون ولا يمكننا أن نطلب من المصرف مخالفته! ذلك يقود، بحسب مصادر مطلعة، إلى السؤال عن مبرّر توقيع العقد إذاً طالما أن كل الأطراف مقتنعة سلفاً أن التدقيق لن يحصل؟ مصادر متحمّسة للتدقيق ترفض بشدة هذا التبرير الذي «يتناسب مع الحماية السياسية المؤمّنة لسلامة». تؤكد أن أموال مصرف لبنان هي أموال عامة، وحتى الحسابات المفتوحة فيه هي إما لمؤسسات أو إدارات عامة، وبالتالي لا يمكن إخضاعها لقانون السرية المصرفية لا هي ولا من يستفيد منها. قانون السرية المصرفية هو بحسب المصدر معنيّ بحماية سرية المعلومات المتعلقة بأموال المودعين لا الأموال العامة. لكن لسلامة وجهة نظر أخرى. وهو بممارسته يعتبر أن الدولة لا يحق لها أن تتحقق من أموالها وكيفية صرفها!
إذا كان ذلك موقف سلامة أيام حكومة حسان دياب، فكيف سيكون موقفه مع حكومة الحريري؟ عملياً صار بإمكانه أن يطمئن إلى أن التدقيق الجنائي صار خلف ظهره. ليس فقط بالهامش الذي يعطيه لنفسه لإفشال التدقيق، بل بسبب الحماية السياسية التي تضاعفت مع عودة الحريري إلى الرئاسة ا  لثالثة.

«المالية» تسلّم بحجج سلامة: السرية المصرفية تعيق التدقيق


ببساطة يبدو أن اعتذار «ألفاريز اند مارسال»، بقدر ما هو مرتبط بأسباب تقنية، بقدر ما يشكّل مخرجاً لمن يريد أن يسير بالمبادرة الفرنسية. البديل عن «ألفاريز» لن يكون سوى المصرف المركزي الفرنسي، الذي لا يمانع سلامة أن يجري تدقيقاً في حسابات المصرف. الأولوية بالنسبة إليه هي الضمانات بأن لا يُلاحق. وهذه لا يمكن أن يحصل عليها في ظل تحقيق جنائي أو قضائي يسهّل الوصول إلى مخالفات ارتكبها. وجود وثيقة تتضمّن قرائن وأدلة تدين أشخاصاً ومؤسسات يكفي لإبقاء السيف مُصْلتاً على رقاب المرتكبين. ذلك لا أحد يريده من السياسيين والنافذين. «عفا الله عما مضى» هو الحل. ولذلك، فإن عودة الحريري وتأليف الحكومة يتطلبان ضبضبة كل الملفات، مقابل إعطاء الأولوية للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي وإحياء ما أمكن من التزامات «سيدر». هل سيكون سلامة جزءاً من عدة الشغل؟ يكثر الحديث عن أن صندوق النقد الدولي لا يجد فيه شريكاً موثوقاً للعمل معه. وإذا صحّ ما يتم تناقله، فإن سلامة قد لا يمانع التخلي عن منصبه. يريد حصراً أن يخرج بهدوء و«بلا بهدلة».

بقرارٍ قضائي، كسرت نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات/ العمال في الخدمة المنزلية قرار دخول عقد العمل الموحد موضع التنفيذ. لم يكن الكسر اعتراضاً على الثغرات والنواقص التي تعتري العقد، وإنّما لأن هذا الأخير مسّ بمصالحهم وأرباحهم. لجأوا إلى مجلس شورى الدولة واتخذوا صفة الادعاء، بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن أصحاب العمل، في وجه وزارة العمل وأصحاب الحقوق المعنيين في العقد

قبل أن تكتمل فرحة وزيرة العمل، لمياء يمين، بـ«إنجازها» عقد العمل الموحّد، جاءها الرد من حيث لا تحتسب. من نقابة مكاتب استقدام العاملات المنزليات التي يفترض أنها «عضو» مشارك في صياغة بنود العقد الناظم للعلاقة بين العاملات المنزليات من جهة، وأصحاب العمل وأصحاب المكاتب من جهة أخرى. قبل أن تخطو يمّين خطوتها التالية بتعميم العقود على الكتّاب بالعدل للبدء بالتنفيذ، صدر قرار إعدادي عن مجلس شورى الدولة قضى بوقف تنفيذ العقد، وقرار آخر يتعلق بتحديد نسب الحسم من راتب العاملات في الخدمة المنزلية، سنداً إلى المراجعة التي تقدمت بها نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام.
هكذا، بقرار قضائي، تمكن أصحاب المكاتب من كسر سريان العقد، بعد فشلهم في تعديل بعض بنوده. إذ يأتي القرار بعد رفض يمّين الأخذ بـ«إصلاحات» تقدم بها هؤلاء في ورقة من ثمانية بنود لم تأخذ وزيرة العمل سوى بواحد منها، فما كان منهم سوى قطع الشعرة التي كانت تربطهم بالوزارة والتوجه الى القضاء للمطالبة بـ«وقف تنفيذ ومن ثم إبطال العمل بالعقد».
في 14 الجاري، صدر قرار الشورى. هلّل أصحاب المكاتب لـ«انتصارهم» على وزارة العمل... وهم الذين لم يخسروا معركة يوماً، ولو «بالتواطؤ» مع البعض في الوزارة نفسها. لكنه، كان انتصاراً فردياً. ولا علاقة للطرف الآخر في المعادلة به، أي العاملات والعمال، على عكس ما يحاول هؤلاء الترويج له. ففي المراجعة المقدّمة من قبلهم، كانت الأسباب كافية للتدليل على «النوايا».

بغض النظر عن العقد غير «النموذجي» لجهة الثغرات التي تشوبه، على عكس ما كان يصفه معظم المشاركين في صياغته، إلا أن الأسباب التي أوقفت لأجلها النقابة تنفيذه كانت «شخصية». فقد بدا واضحاً فيها أن «مصالح هؤلاء تتضارب مع التقدم في مجال العقد الموحد لناحية تأمين حقوق العاملات والعمال»، على ما تقول موهانا إسحاق، المحامية في منظمة «كفى عنف واستغلال».
في الشكل، استعرضت النقابة مخالفات الوزيرة، لناحية أن القرارين لا يدخلان ضمن مهامها، وخصوصاً أن «الخدم في المنازل» - بحسب ما يرد في المراجعة - مستثنون من أحكام قانون العمل ويخضعون لقانون الموجبات والعقود. أما الأمر الآخر، فهو عدم قانونية صدور القرارين «في مرحلة تصريف الأعمال».
أما في المضمون، فقد كانت النقابة صريحة في الدفاع عن مصالحها، ومصالح أصحاب العمل، مستعرضة البنود التي تشكل ضرراً لها، وهي في الغالب بنود تقرّ بعضاً من الحقوق للعاملات والعمال. هكذا، كان أول سبب لوقف تنفيذ العقد «أنه يفرض التزامات على مكاتب الاستقدام وأرباب العمل». وانطلاقاً من تلك الالتزامات، استفاض هؤلاء في سرد ملاحظاتهم على العقد، لناحية اعتراضهم على تحديد قيمة الأجر بما لا يقل عن الحد الأدنى للأجور وتحديد ماهيّة العمل والعطل والإجازات السنوية ومن له الحق بحيازة أوراق العامل أو العاملة الثبوتية، وصولاً إلى النقطة الأساس التي تتعلق بفسخ العقد. فعلى سبيل المثال، رأت النقابة أن ما ينصّ عليه العقد في مادته الثامنة لجهة إبقاء الأوراق الثبوتية والمستندات في حوزة العاملة أمر «فيه مغامرة»، على ما يقول علي سكينة، مستشار الشؤون الإدارية والعلاقات الخارجية في النقابة. أما الاعتبار؟ فهو أنها «قد تسيء الأمانة وتغافل أصحاب المنزل وتغادر المنزل والبلد». وفي هذا السياق، أرسلت النقابة إلى الوزيرة يمّين شرحاً «ضرورياً»، أوردت جزءاً منه في المطالعة، ورأت فيه أن العاملة قد تهرب بعد إقدامها على السرقة، إذ «من المعلوم أن مقتنيات العائلات من مال وأشياء ثمينة بمتناول اليد في أغلب الأحيان، فما المانع من سلب بعض أو كل هذه الاشياء والمغادرة بها خارج البلاد في يوم عطلة الفريق الثاني وخسارة كل شيء». من هنا، طالب هؤلاء «بوضع ضوابط معينة بحيث لا تستطيع هذه العاملة مغادرة لبنان إلا ببراءة ذمة من صاحب العمل أو إبقاء أحد هذه المستندات في أمانته لضمان حقوقه وعدم تعرضه لسوء الأمانة»!


لم يستطع أصحاب مكاتب الاستقدام هضم ما يمنحه العقد للعاملات من «حقوق»

 

ومن جملة الاعتراضات أيضاً، الملاحظات على المادة التاسعة التي تتعلق بـ«حرية» تنقّل العاملة وساعات الراحة اليومية والعطل الأسبوعية والسنوية، والتي اعتبروها «over»، قد تأخذها العاملة مبرراً «للدوران على حلّ شعرها»، بحسب ما توحي تعليقات أصحاب المكاتب. ورأت النقابة أن «تلك الحرية ستحوّل المنازل الى ساحات صراع يومية بين الطرفين وتأثير ذلك على ديمومة العمل السليم، وستكون لها عواقب وخيمة نحن جميعاً أدرى بها».
هذا غيض من فيض الملاحظات التي صوّبت من خلالها النقابة سهامها على ما يفترض أن يكون حقوقاً للعاملات. لم تستطع النقابة هضم ما يمنحه العقد للعاملات من حقوق، انطلاقاً من أن العقد «لم يحمّل أيّ مسؤولية للعامل، فيما كانت كلها ملقاة على أصحاب المكاتب وأصحاب العمل»، يقول سكينة. وهو ما لا يراه الواقفون على الطرف الآخر للمعادلة دقيقاً. ففي وقت تتريّث فيه وزارة العمل بالرد، بانتظار ما ستؤول إليه المعركة، تشير إسحاق إلى أن «تحرّك النقابة لم يأت اعتراضاً على النواقص التي يحفل بها العقد، بقدر ما كان دفاعاً عن مصالح أصحاب المكاتب، وخصوصاً لناحية ترتيب العقد مصاريف معينة أو مسؤوليات». أما النقطة الأساس والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر القرار، فهي البند المتعلق بفسخ العقد، والذي تعترض فيه النقابة على قرار إعطاء حق الفسخ للعاملة أيضاً، وهو ما اعتبروه «انتهاكاً لما سار لفترة طويلة على أنه أمر طبيعي»، تقول إسحاق.
رغم ذلك، قرر القضاء أن يوقف العمل بالقرار. وهو ما يعدّ قضائياً خطوة ناقصة، إذ إنه راعى «بعين كبيرة مصالح مكاتب الاستقدام»، بحسب إسحاق، لكنه يبقى اعتباراً شكلياً، لناحية أن القرار «حكم بالشكل القبول بوقف التنفيذ»، أضف إلى أنه يبقى قراراً إعدادياً وليس نهائياً. والحكم في المعركة المقبلة.

 

أعلنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أمس أنّ التحقيقات التي تتولاها السلطات اللبنانية في انفجار 4 آب الذي دمّر مرفأ بيروت والمناطق المحيطة به، فشلت في التوصل إلى نتائج ذات مصداقية على الرغم من مرور شهرين على الحدث الأليم، وذلك نتيجة للتدخّلات السياسية المتزامنة مع تقصيرٍ متجذّر في النظام القضائي، جعل من المستحيل إجراء تحقيق محلي موثوق به ومحايد.

ودعت "هيومن رايتس" إلى إجراء تحقيق بقيادة الأمم المتحدة في أسباب الانفجار لتحديد المسؤوليات، كذلك دعت المنظمة مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان، التي تجتمع الأسبوع المقبل، إلى الضغط على السلطات اللبنانية لقبول إجراء تحقيق مستقل.

وعلّقت آية مجذوب، الباحثة اللبنانية في المنظمة على المسألة قائلةً: "إنقلبت حياة الناس في بيروت رأساً على عقب بسبب الانفجار الكارثي الذي دمّر نصف المدينة، وهؤلاء يستحقّون العدالة. وحده التحقيق الدولي والمستقلّ كفيل بكشف حقيقة الانفجار"، مضيفةً أنّ إخفاق السلطات اللبنانية خلال الشهرين الماضيين أظهر بما لا لبس فيه أنّ السبيل الوحيد لحصول اللبنانيين على الإجابات والعدالة التي يستحقونها هو بدء تحقيق دولي.

يذكر أنّ 25 شخصاً أوقفوا في القضية مع توجيه تهمٍ إلى 30 شخصاً معظمهم من مسؤولي المرفأ والجمارك.

وتقول مجذوب إنّ السلطات اللبنانية تتظاهر بإجراء تحقيق ذي مصداقية متحدثةً عن ضعفٍ أساسيّ وعيوب في العملية التي وصفتها بـ"الغامضة".

ويشير التقرير كذلك إلى غموض يحيط بتعيين المحقّق العدلي وسط مزاعم بالتدخّل السياسي.

واعتبرت "هيومن رايتس" أنّ دور المحققين الأجانب غير واضح، داعيةً فرنسا والولايات المتحدة إلى توضيح تفويضهما و"الإعلان عن أي محاولات لعرقلة العدالة"، علماً أنّ القاضي المسؤول عن التحقيقات في الانفجار تلقّى تقريراً في وقت سابق من الشهر الجاري من مكتب التحقيقات الفيدرالي حول التحقيق الذي أجراه المكتب، ولم تعلن أي من تفاصيل التقرير، فيما لم يقدّم الفرنسيون والبريطانيون نتائجهم الخاصة بعد.

وتذكر مجذوب أنّ هناك غياباً للشفافية ولمشاركة الأدلة أو الاتهامات، إذ لم يُعلن عن الأدلة والتهم الموجهة إلى المعتقلين، ولم يُستجوب أي وزير سابق أو حاليّ، كمشتبه فيه، على الرغم من أن مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى كانوا على علم بمخاطر المواد الكيماوية في المرفأ. ويثير التركيز على مسؤولي الموانئ والجمارك الإداريين مخاوف من إفلات السياسيين المشتبه في تورطهم في الانفجار من المساءلة، إضافةً الى وجود مخاوف من العبث المحتمل بمسرح الجريمة بعد اندلاع حريقين في المرفأ منذ الانفجار.

 


نشر هذا المقال ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو يتضمّن سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية. وفي هذا المقال، نبحث في كيفية استخدام القانون، وتحديداً قانون معاقبة التعذيب، لمواجهة تعسّف السلطة بحق المنتفضين.

رغم انتشار أعمال العنف والتعذيب في أداء العديد من الأجهزة الأمنية، قلّما نشهد تحقيقاً جدّيّاً في الشكاوى المقدّمة ضدّها أو ضدّ عناصرها من الأشخاص المعتدى عليهم. وفي ظلّ ذلك، يسود انطباعٌ عامّ يعبّر عنه الناشطون في اليوم المخصّص لضحايا التعذيب من كل سنة بأنّ قانون معاقبة جرائم التعذيب رقم 65/2017 الذي انبثق عن مخاض عسير يبقى إلى حدّ كبير حبراً على ورق. في هذا السياق، أتت شكاوى التعذيب التي قدّمتها لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين كأحد أهمّ التحديات لتطبيق هذا القانون. 15 من هذه الشكاوى قُدّمت دفعة واحدة في منتصف كانون الأول 2019 واستتبعها مؤتمر صحافي أقامته اللجنة بتاريخ 6 شباط 2020 تبعاً لحفظ هذه الشكاوى. وقد أوضحت اللجنة في هذا المؤتمر الإجراءات التي سبقت هذا الحفظ وقادت إليه، ومنها أنّ النيابة العامّة التمييزية تمسّكت بإحالتها إلى النيابة العامّة العسكرية التي تمسّكت بدورها بإحالتها إلى الأجهزة الأمنية المشكو منها، قبل أن تصدر قراراً بحفظها على خلفية رفض الجهة المشتكية الإدلاء بإفاداتها أمام هذه الأجهزة. وعليه، فيما خلَتْ هذه الإجراءات من أيّ تحقيق جدّي في أعمال العنف والتعذيب، فإنّها قادت عمليّاً إلى تحميل المعتدى عليهم مسؤولية إجهاض الملاحقة.

وهذا ما سنحاول الغوص فيه وتحليله في هذه المقالة، بالنّظر إلى أهميّته الفائقة لفهم أهم أسباب تعطيل قانون 65/2017.

1- عن تعذيب لا يخضع لمعاقبة التعذيب؟


بخلاف النيابة العامّة التمييزية، رأت النيابة العامّة العسكرية (بشخص معاونة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية منى حنقير) أنّ الأفعال موضوع الشكاوى المحالة إليها لا يشملها قانون معاقبة جرائم التعذيب 65/2000. ويُعتقد أنّها اتخذت موقفها انطلاقاً من معطييْن:

الأول، أنها اعتبرت أن تعريف التعذيب في قانون 65/2017 يختلف عن تعريفه في الاتّفاقية الدوليّة لمكافحة التعذيب والتي صادق لبنان عليها. ومحور الاختلاف يتأتّى ليس عن الجهات التي ارتكبت العنف ولا عن الهدف منه (فتعريف النصّين متطابق في هذا الخصوص)، إنّما عن الفترة التي حصل العنف خلالها. وهذا ما يتحصّل من العبارة التي أضافها قانون معاقبة التعذيب على التعريف المعتمد في الاتفاقية الدولية ومؤدّاها حصر حالات التعذيب في أفعال العنف الحاصلة في مراحل الاستقصاء والتحقيق الأوّلي والتحقيق القضائي والمحاكمات وتنفيذ العقوبات. وعليه، وبفعل تضارب هذين التعريفين، بات النظام اللبناني يعيش ازدواجيّة، بحيث أنّ الفعل الذي يشكّل تعذيباً وفق الاتفاقية الدولية التي باتت جزءاً من المنظومة القانونية اللبنانية قد لا يكون كذلك وفق قانون 65/2017، كأنّما يقال إنّ التعذيب لا يشكل تعذيباً وإن الالتزام الدولي بمكافحة التعذيب ينطبق على بعض حالاته دون الأخرى. وقد تفاقمت الازدواجية هذه مع صدور قانون إنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ومن ضمنها اللجنة الوطنية للوقاية من جرائم التعذيب والذي عاد ليعتمد تعريف التعذيب المعتمد في الاتفاقية الدولية. وقد تفرّعت عن هذه الازدواجية تساؤلات عدة. فهل تُسلّم النيابات العامّة ومعها القضاء بهذا الاختلاف فتُخلّ بالتزام الدولة بمكافحة جرائم تعذيب مع ما يستتبع ذلك من إنكار لعدد واسع من ضحاياه أم تعمد، على العكس من ذلك، إلى تفسير النصّ اللبناني على نحو يتناسب مع احترام هذا الالتزام ويُنصف الضحايا والأهم يُعيد الانسجام إلى النظام القانوني ككلّ؟ بدت النيابة العامّة في هذا الخصوص وكأنّها اعتمدت الخيار الأول.

الثاني، أنّها اعتبرت ضمناً أنّ الأفعال المشكو منها حصلت خارج مراحل الاستقصاء والتحقيق الأوّلي والتحقيق القضائي والمحاكمات وتنفيذ العقوبات. وبغضّ النّظر عن مدى سدادة التمييز في تعريف التعذيب، فإنّ اعتبار الأفعال المشكو منها حاصلة خارج هذه المراحل يقبل بدوره الانتقاد. فبمراجعة الشكاوى، يظهر أنّ العنف المستخدم قد تمّ في غالبه في سياق القبض على المعتدى عليهم أو في سياق احتجازهم في مقرّات الأجهزة الأمنية (وليس في سياق فضّ التظاهرات)، وتالياً في مراحل نشط فيها العناصر الأمنيّون في ملاحقة أشخاص بعينهم على خلفية افتراض ارتكابهم جرائم معيّنة، أي في مراحل يفترض أن يكون شملها التعريف الضيّق للتعذيب كما ورد في قانون 65/2017. وما يعزز هذه القراءة أيّ التوسّع في تعريف “الاستقصاء” هي الفائدة المرجوّة من تفسير الأحكام القانونية على نحو يقلل من حال الازدواجية الحاصلة أو يعيد الانسجام المفقود قدر الممكن.

 


تصوير ماهر الخشن



2- عن صلاحية النيابة العامّة العسكرية


تنفصل هذه الإشكالية عن الإشكالية المشار إليها أعلاه. فبمعزل عن التباين بين النيابة العامّة التمييزية والنيابة العامّة العسكرية لجهة تعريف الأفعال، فإنّ كلتاهما سلّمتا بصلاحية هذه الأخيرة في تولّي التحقيقات، خلافاً لمطالب لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين.

يُخالف هذا الاتّجاه من حيث نتيجته الاتّجاه الذي كانت انتهت إليه هاتان النيابتان بخصوص الشكوى التي تقدّم بها الممثل زياد عيتاني ضدّ ضباط أمن الدولة في 2018. فبعدما كانت النيابة العامّة التمييزية أحالت شكواه إلى المحكمة العسكرية، أعادتها هذه الأخيرة بناء على طلب عيتاني في ظلّ دعم عدد من المنظمات الحقوقية إلى النيابة العامّة التمييزية لكونها غير مختصّة في التحقيق فيها. تبعاً لذلك، أحالت النيابة العامّة التمييزية الشكوى إلى النيابة العامّة العدلية (الاستئنافية في بيروت) لإجراء التحقيقات اللازمة، وقد بدأت هذه الأخيرة فعليّاً بذلك. فما عدا ممّا بدا؟ وما هو التفسير الذي تعتمده النيابة العامّة في هذا الخصوص؟ وهل يشكّل اتّجاهها في قضية عيتاني اتّجاهاً مناقضاً لموقفها حيال شكاوى المتظاهرين، أم أنّ ثمّة أوضاعاً مختلفة تبرّر الأحكام المختلفة؟ للإجابة على ذلك، يقتضي تدوين الأمور الآتية والتذكير بها:

– تكريس صلاحية المحكمة العدلية لزوم ما لا يلزم

كانت هذه المسألة إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل لدى مناقشة اقتراح القانون 65/2017، وبخاصّة لدى مناقشة البند الذي جرّد المحكمة العسكرية من أيّ صلاحية في هذا الخصوص ملغياً في الوقت نفسه ضرورة الحصول على أذون مسبقة للملاحقة في هذه الجرائم.

وفيما تمسّك عدد من النوّاب خلال الجلستين المخصّصتين لهذه الغاية وفق ما وثّقته “المفكرة القانونية” بإزالة الصلاحية الشاملة للمحاكم العدلية (العادية) بحجّة أنّ المحكمة العسكرية خطّ أحمر أو أنّ ثمّة ضرورة في تحصين الضبّاط الذين استثمرت الدولة مبالغ طائلة في تخريجهم (!)، خلص النقاش بالنتيجة إلى إزالة البند المذكور على أساس أنّه لزوم ما لا يلزم. وقد تمّ ذلك بعدما لفت بعض النواب إلى أنّ المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تجيز للنائب العامّ التمييزي ملاحقة أيّ خلل في عمل الضابطة العدلية أمام المحكمة العدلية ومن دون حاجة إلى إذن مسبق، تؤدّي إلى النتيجة نفسها.

وعليه، ورغم حماوة النقاش حول المحكمة العسكرية (والذي أخذ في بعض أبعاده منحىً كاريكاتورياً)، فإنّ اقتراح تجريدها من أيّ صلاحية في قضايا التعذيب لم يؤخذ به، ليس لأنّ الغالبية عارضته، بل لأنّه اعتبر لزوم ما لا يلزم. وبذلك، بدا واضحاً أنّ نيّة الغالبية النيابية اتّجهت، أقلّه ظاهرياً، إلى حصر صلاحية المحكمة العسكرية في هذا الخصوص. وما يعزز ذلك هو أنّ القانون صدر مرفقاً بأسبابه الموجبة التي تضمّنت حرفيّاً: “تناط صلاحية الملاحقة والتحقيق والمحاكمة بالقضاء العدلي العادي دون سواه من المحاكم الجزائية الاستثنائية”.

يضاف إلى ذلك سؤال ثانٍ يتأتّى عن سوء صياغة المادة 15 نفسها. ففيما كرّست هذه المادة في فقرتها الأخيرة صلاحية شاملة للقضاء العدلي للنظر في إخلال الضابطة العدلية في مهامّها، فإنّها خوّلت في فقرة أخرى النائب العامّ التمييزي أن يطلب من أحد النواب العامّين الاستئنافي أو المالي أو العسكري أن يدّعي بحقّ من يرتكب جرماً جزائياً منهم في أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها من دون أن يطلب إذناً بملاحقته. وقد فتح سوء الصياغة هذا باباً للتأويل. فمع التسليم بأنّ مجمل الأخطاء المرتكبة (ومنها جرائم التعذيب) من قبل الضابطة العدلية تعود للصلاحية الحصرية للمحاكم العدلية، يبقى الاختلاف قائماً حول مدى صلاحية النيابة العامّة العسكرية في التحقيق و/أو الادّعاء في الجرائم التي قد ترتكبها الضابطة العدلية العاملة تحت إشرافها، أي الجرائم المرتكبة منها بمناسبة التحقيق في الجرائم التي تدخل ضمن صلاحية المحاكم العسكرية. ومن شأن هذا التأويل أن يؤدّي إلى نتائج هجينة حيث يكون للنيابة العامّة العسكرية أن تدّعي أمام القضاء العدلي، وهو أمرٌ لا يستقيم وفق أصول المحاكمات الجزائية. وتبقى النيابة العامّة ومعها القضاء مدعوّة هنا أيضاً إلى إعادة الانسجام للنظام القانوني من خلال حصر التحقيق كما المحاكمة في القضاء العدلي، وذلك بهدف تعزيز إمكانيات تنفيذ الالتزام الدّولي بمكافحة جرائم التعذيب.


تصوير ماهر الخشن



3- في تكليف الأجهزة الأمنية التحقيق في الشكاوى المقدّمة ضدها


تكمن المسألة الثالثة الهامّة في هذا الإطار في إمكانية تكليف الأجهزة الأمنية بالتحقيق في أفعال التعذيب المدّعى بها. وترتبط هذه المسألة بالمادة 24 مكرّر من أصول المحاكمات الجزائية المُضافة بموجب قانون 65/2017 والتي تحظّر على النيابة العامّة استنابة الضابطة العدلية أو أي جهاز أمني آخر للتحقيق في قضايا التعذيب. بل يتعيّن عليها في حال الحاجة إلى التحقيق إمّا إجراء التحقيق بنفسها وإمّا أن تحيل الادّعاء إلى قاضي التحقيق المختصّ. وهذا الأمر إنّما يجنّب الضحايا الخضوع للجهاز الأمني الذي حقق معهم أو أي جهاز أمني آخر ويحصر التحقيق معهم بالقضاة، بما يشكّل حماية أساسيّة لهم ولحقّهم بالانتصاف القضائي.

ورغم وضوح هذا النص، فإنّ معاونة مفوّض الحكومة منى حنقير أحالت الشكاوى لإجراء التحقيقات اللازمة إلى مخابرات الجيش وفرع المعلومات، الأولى بالنسبة للأفعال المعزوّة لعناصر الجيش أو المخابرات، والثاني بالنسبة للأفعال المعزوّة لقوى الأمن الداخلي. وفيما عادت النيابة العامّة التمييزية لتصدر بتاريخ 13 كانون الثاني 2020 بناء على طلب لجنة المحامين، أمراً خطّيّاً بوجوب الالتزام بالمادة 24 وإحالة الأوراق إمّا إلى قاضي التحقيق المختص أو إجراء التحقيقات شخصياً، تمسّكت حنقير بموقفها لتنتهي إلى حفظ الشكوى لعدم استجابة المشكو منهم لدعوتهم إلى الحضور أمام المخابرات. ولم تخالف بذلك النص القانوني فحسب، إنّما أيضاً الأمر الصادر عن النائب العامّ التمييزي والأهمّ المبادئ العامّة التي ترعى مبادئ المحاكمة العادلة والتي تفترض عدم وضع أيّ متقاضٍ في وضعيّة الخضوع لتحقيق لا تتوفّر فيه شروط الحياديّة، كأن يكون المشتبه به عنصر في الجهاز الذي تمّ تكليفه إجراء التحقيق. وهذا الأمر ينطبق بشكل خاصّ في الظروف التي يشتبه فيها أنّ أعمال التعذيب لا تتأتّى عن أخطاء فردية لبعض العناصر، بل في الغالب عن نهج يتحكّم في آليات عمل الجهاز برمته.

بخلاف توجّه حنقير، اعتمد مفوّض الحكومة العسكري المستقيل بيتر جرمانوس منحىً مختلفاً في قضية تعذيب أخرى باشرها من تلقاء نفسه في أيار 2020 بعدما تداولت بها وسائل إعلام عدّة، حيث رجع عن إشارته بتكليف مديرية المخابرات المركزية بالتحقيق في قضية تعذيب محتجزين في المخابرات (فرع صيدا) بالصعق الكهربائي بناء على مذكّرة قدّمها إليه محامو اللجنة ليعود ويحوّلها إلى قاضي التحقيق العسكري دون ورقة طلب.

ختاماً، يُلحظ في هذا المضمار، أنّ الأجهزة الأمنية تمسّكت، في سياق مناقشات جانبية مع لجنة المحامين، بصلاحياتها في التحقيق في شكاوى مماثلة، بالنّظر لكونها المرجع المختصّ لتأديب العناصر واتّخاذ عقوبات مسلكية بحق المخالفين منهم. وعدا عن أنّ هذه الحجّة لا تتّصل بأي حال من الأحوال بالتحقيقات الحاصلة في إطار الشكاوى الجزائية التي تخضع لأصول المحاكمات الجزائية حصراً، يبقى أنّه كان من المستحسن أن ينظّم المشرّع صراحة التحقيقات المسلكية لمنع أيّ تأثير قد ينتج عنها على مآل هذه الشكوى.

خلاصة
تلك بعض أبرز التحديات التي أثارتها شكاوى التعذيب التي تقدّمت بها لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، في إطار تصدّيها لتعسّف السلطة. تحدّيات يستحسن أن نستمع إليها وندرسها ونتعلّم منها جيّداً فلا تحصل مظلمة من دون تغيير.

 

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

 

 

من لم يقتنع إلى الآن بأن الحكم في لبنان للمصارف، عليه أن يراجع حساباته. في كل يوم، ثمة إثبات جديد بأن المصارف هي التي تتحكّم بكل مفاصل حياة الناس. بلقمة عيشهم وتعليم أولادهم ورواتبهم المقنّنة وتحصيل تعبهم الذي جمعوه ليرة ليرة، وتحاول المصارف أخذه دفعة واحدة. باختصار، ما تفعله المصارف اليوم، وما دأبت على فعله منذ بداية الأزمة المالية - الاقتصادية، هو التعدي على حقوق المودعين بحرمانهم من أموالهم من دون وجه حقّ. وهي، يوماً بعد آخر، تكرّس دورها في «السلبطة» على حقوق المودعين، من خلال التفرّد في اتخاذ القرارات، وإجبارهم على الخضوع لها، بغضّ النظر عن مدى قانونية تلك القرارات.
في آخر تلك الفصول ما فعله مصرف «سوسييتيه جنرال» (فرع شتورة) في حق «زبونه» منذ 12 عاماً علي ديب الساحلي، إذ قرّر «قطع أي علاقة مصرفية» مع الرجل بعدما ربح دعوى قضائية على المصرف سمحت له بتحويل ما قيمته 4 آلاف دولار من حسابه المجمّد إلى حساب ابنه الطالب في إحدى الجامعات الأوكرانية!
«حرد» المسؤولون في المصرف من الساحلي فقرروا معاقبته بقطع تلك العلاقة، ما أدى إلى حرمانه من معاشه التقاعدي شهرين متتاليين، وهو مقبل اليوم على الشهر الثالث مع الامتناع عن إعطائه «براءة ذمة» تسمح له بفتح حساب في مصرف آخر.
بدأت القصة قبل شهرين، حين يئس الساحلي من المحاولات «السلمية» لإقناع المصرف بالموافقة على تحويل مبلغ من المال لابنه للتسجيل في الجامعة ودفع إيجار الغرفة التي يسكن فيها. فلم يجد أمامه سوى اللجوء إلى القضاء من خلال تقديم شكوى أمام قاضي الأمور المستعجلة في زحلة لتحرير جزء من تعويضات التقاعد المجمّدة في المصرف وإرسالها إلى ابنه. وبعد إبراز المستندات اللازمة «من طلب التسجيل إلى طلب الإقامة ورسالة من السفارة اللبنانية في كييف»، أصدر القاضي قراره «المستعجل» بإلزام المصرف «تحويل أربعة آلاف دولار أميركي من حساب المستدعي علي ديب الساحلي إلى حساب ابنه حسين، فوراً وتحت طائلة غرامة إكراهية قدرها 10 ملايين ليرة عن كل يوم تأخير عن التنفيذ». وفي متن القرار، اعتبر القاضي قرار المصرف تعدياً على حقوق العمل المشروعة، ما يستوجب «إزالة هذا التعدي». وأكد أن تحويل الأموال، سواء أكانت داخلية أم دولية، أمر بديهي، كونها تُعتبر من الخدمات الاعتيادية التي يفترض أن تقدمها المصارف لزبائنها، حسب الأعراف الوطنية والدولية. وهي، بالتالي، ليست خدمة تسديها، وإنما جزء من واجباتها تجاه زبائنها. وفي حالة الساحلي، تعدّى المصرف على حقوقه كعميل، خصوصاً أنه يملك في حسابه ما يقرب من 60 ألف دولار فيما يمتنع عن تحويل 4 آلاف منها إلى حساب ابنه.

امتنع المصرف عن تسليم الزبون براءة ذمّة تمكّنه من اللجوء إلى مصرف آخر

أما السبب الثالث والأكثر أهمية فهو أن امتناع المصرف عن القيام بواجبه أضرّ بالطرف الثالث، وهو ابن المستدعي، من خلال «حرمانه من إمكانية متابعة عامه الدراسي وتسديد نفقات الإيجار والمعيشة».
صدر هذا القرار في 24 تموز الماضي، وفي 14 آب الماضي، أرسل المصرف خطاباً إلى الساحلي، يعلمه فيه بقطع العلاقة معه بسبب «الدعوى المقامة ضد مصرفنا (...) لإلزامه بإجراء قسراً تحويل (بالدولار الأميركي) لابنكم في الخارج بناءً على وقائع وحجج قانونية مغلوطة». بناءً على ذلك، قرّر المصرف، منفرداً، «إقفال الحسابات كافة المفتوحة باسمكم وتصفيتها بعد إلغاء جميع رسائل الدفع المرتبطة بها بما فيها - على سبيل المثال لا الحصر - البطاقات المصرفية (...)». كما «نطلب منكم التوجه إلى فرع مصرفنا في شتورة بغية استلام أصل الشيك المرصود لأمركم بقيمة قدرها ستون ألفاً وتسعماية وتسعة عشر دولاراً وستة وستون سنتاً».
بعد تمنّع لشهرين متتاليين عن تسلّم الشيك «الذي لا يحلّ ولا يربط»، رضخ الساحلي في النهاية من أجل الاستحصال على براءة الذمة. ولكن، لم تطابق حسابات حقله حسابات بيدر الـ«سوسييتيه» الذي امتنع عن تسليمه براءة الذمة، ما يحول دون أن يفتح الساحلي أيّ حساب في مصرف آخر، وما يعني أيضاً أن مصير ابنه «سيكون الطرد مع توجيه إنذار من الجامعة».

  1. Popular
  2. Trending
  3. Comments

Calender

« October 2022 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31